—بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين
الصحافة

“حين تتجدد العدالة وتُكرَّم الذاكرة.. تنصيب قضاة الفوج 48 بعين السبع في لحظة تجمع بين رهانات المستقبل ووفاء الماضي”
في مشهد رسمي مهيب امتزجت فيه رمزية الدولة بروح الإنسانية، احتضنت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بمدينة الدار البيضاء حدثًا استثنائيًا، جمع بين لحظتين مفصليتين في مسار العدالة: تنصيب جيل جديد من القضاة، وتكريم ثلة من رجالاتها ونسائها الذين بصموا تاريخها بعطاء مهني وإنساني متميز. لحظة تختزل عمق التحول الذي تعرفه منظومة العدالة بالمغرب، حيث يتعانق التجديد مع الوفاء، وتلتقي مسؤولية الغد بذاكرة الأمس.

وقد شهدت هذه المناسبة تنصيب 19 قاضيًا من خريجي الفوج 48، الذين حظوا بالثقة المولوية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في خطوة تعكس الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز النجاعة القضائية، وضخ كفاءات شابة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع. هؤلاء القضاة الجدد لا يلجون فقط مرفقًا إداريًا، بل ينخرطون في رسالة نبيلة، عنوانها إنصاف المظلوم وترسيخ سيادة القانون.

وفي كلمة اتسمت بالوضوح والصرامة، وجّه رئيس المحكمة الزجرية بعين السبع، الأستاذ حسن جابر، رسائل قوية إلى القضاة الجدد، شدد فيها على أن القضاء ليس مجرد وظيفة، بل هو التزام أخلاقي عميق، يقوم على الاستقلالية والنزاهة والجرأة في قول الحق. وأكد أن القاضي هو صمام الأمان داخل المجتمع، وأن الثقة التي تحيط به تُبنى يوميًا عبر قرارات عادلة وسلوك مهني مستقيم، داعيًا إلى التحلي باليقظة في مواجهة كل أشكال التأثير أو الانزلاق، وإلى جعل القانون فوق كل اعتبار.

من جهته، أبرز وكيل الملك لدى المحكمة، الأستاذ محمد زواكي، أن انضمام هذا الفوج الجديد يشكل إضافة نوعية لمنظومة العدالة، خاصة في ظل تعقيد القضايا الزجرية وتزايد انتظارات المواطنين. وأكد أن العدالة الجنائية اليوم مطالبة بأن تكون أكثر سرعة وفعالية، دون التفريط في ضمانات المحاكمة العادلة، مشيرًا إلى أن التنسيق بين النيابة العامة وهيئة القضاء الجالس يشكل ركيزة أساسية لتحقيق هذا التوازن الدقيق.
غير أن قوة هذا الحدث لم تتجسد فقط في تنصيب القضاة الجدد، بل تجلت أيضًا في تلك اللحظة الإنسانية العميقة التي أعادت الاعتبار لمعنى الوفاء داخل المؤسسات. فبمبادرة كريمة من رئاسة المحكمة ووكيل الملك، تحوّل الحفل إلى محطة تكريم مؤثرة، استقبل خلالها أطر وموظفو المحكمة، بالأحضان، زملاءهم الذين غادروا المؤسسة، سواء نحو التقاعد أو إلى مهام جديدة داخل منظومة العدالة.
لم تكن تلك اللحظات عادية، بل كانت مشحونة بمشاعر متداخلة بين الاعتزاز والحزن، بين الفخر بما تحقق ومرارة الوداع. فقد تم الاحتفاء برجال ونساء أفنوا سنوات طويلة في خدمة العدالة، لم يكونوا مجرد موظفين يؤدون مهامهم اليومية، بل كانوا أعمدة حقيقية أسهمت في بناء ثقة المواطن في القضاء، وصنعوا من مواقعهم فضاءات للإنصاف والضمير الحي.
قاعات الجلسات التي شهدت مرافعاتهم، ومكاتبهم التي احتضنت قراراتهم، بدت وكأنها تستعيد ذاكرتها في تلك اللحظة، شاهدة على مسارات مهنية حافلة بالتحديات والإنجازات. لقد واجه هؤلاء المحتفى بهم ضغوطًا وإكراهات لا تُحصى، لكنهم ظلوا أوفياء لقيم العدالة، مؤمنين بأن الرسالة التي يحملونها تتجاوز حدود الوظيفة إلى عمق المسؤولية الأخلاقية.
وبينما يواصل البعض مساره في مواقع جديدة، حاملًا نفس الروح ونفس القيم، يختار آخرون مغادرة الميدان بعد أن أدّوا الأمانة كاملة، تاركين خلفهم إرثًا غنيًا من الخبرة والنزاهة. وهنا، لا يبدو التقاعد نهاية بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة أخرى من العطاء، حيث تبقى التجربة رصيدًا حيًا داخل المجتمع.
هذا التلاقي بين لحظة التنصيب ولحظة التكريم لم يكن صدفة، بل رسالة واضحة مفادها أن العدالة لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بالإنسان أولًا، وبالاعتراف بمجهوداته، وباستمرارية القيم بين الأجيال. فكما يتم إعداد جيل جديد لتحمل المسؤولية، يتم في الآن ذاته تثمين مسار من سبقوه، في توازن يعكس نضج المؤسسة القضائية.
وفي ختام هذا الحدث، سادت أجواء من الامتنان الصادق، واختُزلت سنوات من العمل المشترك في كلمات بسيطة لكنها عميقة الدلالة. كانت لحظة وداع، نعم، لكنها أيضًا لحظة وعد؛ وعد بأن تستمر الرسالة، وأن يبقى العطاء متجددًا، وأن تظل العدالة، في جوهرها، وفاءً دائمًا للحق والإنصاف.









قم بكتابة اول تعليق