أفريقيا بلوس
كشفت “قضية سعيد ولد الخريبكي” المعروف بـ”إله الخمر” أو صاحب “خمارات القرب” عن نوع جديد من “عبيد القنينات”، الذين يعتقدون واهمين بأن “الإفراط في ثمالة المقالات” و”عربدة الافتتاحيات” سيكون بمقدورهم تبييض سجلات الرجل إعلاميا وقضائيا.
إن ندماء خمارات القرب بالأمس، والذين تم تكليفهم اليوم بالمنافحة الإعلامية عن جودة وصلاحية “مسكر المرنيكة” التي كان يبيعها الرجل لشعب المستهلكين، يعتقدون واهمين بأن نشر “إيميلات ولد الخريبكي في موقعهم الإخباري” هو بمثابة طوق نجاة أمام القضاء، وأن تعميم الكذب على أجهزة العدالة الجنائية في هذا الملف سيقوّض المسطرة القانونية الجارية في حقه؛ بل سيشرعن خموره الفاسدة، وربما إسدال طابع “الحلال عليها”.
سكارى في جبّة مدافعين
مند اندلاع “قضية ولد الخريبكي”، برز جليا أن أحد المواقع الإخبارية تكلف حصريا بمهمة المؤازرة الإعلامية عن “بارون الخمور الفاسدة”، مستفيدا في ذلك من ثقافته الواسعة في مجال المشروبات الكحولية أو الممزوجة بالكحول، وأيضا من “السخاء” المشهود به “للكرابة الكبار ومالكي الخمارات الموزعة في مختلف أرجاء المغرب”.
وقد بدا جليا انتفاء الموضوعية والمهنية في التحليل، من خلال أول عبارة وردت في المقال المنشور في الموقع الإخباري المذكور؛ فقد ادعى أن مصالح الشرطة قامت بإتلاف الضبطيات المسكرة المحجوزة في مستودع سعيد بوقنوف بمنطقة حد السوالم بضواحي برشيد، وهي ديباجة أقل ما يقال عنها إنها تصدح “بالعربدة الصحافية”، على اعتبار أن الشرطة اقتصر دورها على مباشرة البحث التمهيدي في هذه القضية، وأنها نفذت أوامر السلطة القضائية القاضية بالإشراف على عملية “الإتلاف” إلى جانب باقي المصالح الحكومية المختصة، وتحديدا المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
إن صاحب المقال حاول تقديم “إله الخمر” على أنه في خلاف مع الشرطة، وليس في نزاع مع القانون واللوائح التنظيمية والجمركية المقننة لبيع المشروبات الكحولية أو الممزوجة بالكحول. وهذا اللعب بالكلمات ربما أوعز به صاحب “الطلبية” الموجهة إلى الموقع ناشر الخبر، والذي وصلت به الجسارة إلى حد إسناد صلاحية “إجراء الخبرة على الكحول” إلى المستهلكين أنفسهم ولأصحاب المطاعم والحانات وليس للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية! كيف ذلك؟ لقد زعم صاحب المقال بأن قنينة الخمر تكون غير صالحة للاستهلاك إذا “دفع بذلك الزبون المستهلك نفسه”! والذي غالبا ما يكون تحت تأثير الثمالة والسكر المفرط.
وإمعانا في التأسيس لهذا النوع الجديد من “الخبرة الخمرية”، أو “الخبرة الذاتية للمستهلك” إن صح التعبير، زعم صاحب المقال الذي ينافح إعلاميا عن سعيد ولد الخريبكي بأن “نبيذ “بوناصا” هو من الخمور الشابة التي لا تتقادم ولا تشيخ”، ناسيا أو متناسيا بأن تخزين “بوناصا” إلى جانب جافيل والماء القاطع وفي البرودة والشمس يمكنه أن يغير حتى “البلاك لابيل” إلى مشروب يشبه في اللون (وليس المذاق) “شاي ليبتون”، وليس فقط إفساد نبيذ “بوناصا” المصنف ضمن المشروبات منخفضة التكلفة.
لكن المثير للسخرية والاستغراب معا في هذه “المرافعة الخمرية” هو الزعم القائل: “عندما يتم الإشعار بأن النبيذ غير صالح للاستهلاك من طرف أحد المستهلكين، فإن صاحب المطعم يقوم بإرجاع كل المخزون من هذا المشروب إلى المزود. وأن هذا الأخير يقوم بدوره بإرجاعه إلى المنتج الأصلي. وفي هذه الحالة، فإن أصحاب المطاعم والحانات والموزعين لا يخسرون شيئا، ما دام أنهم يتقاضون المقابل لاقتناء كحول أخرى أو يتلقون بضاعة جديدة”؛ فصاحب المقال يتحدث هنا عن الحانات والمطاعم وكأنها (تغرف من وادي الكوثر في الجنة)، ويتحدث عن “إله الخمر” المغربي وكأنه ملاك حريص على صحة وأذواق وثمالة المستهلكين.
إن هذا الطرح “الطوباوي” ليس فقط بعيدا عن الحقيقة والواقع؛ بل إنه موغل في السطحية و”السنطيحة”، ففي الواقع “المستهلك الذي يدفع بعدم جودة المنتوج الكحولي” غالبا ما يطرد على يد “الفيدورات والبارمانات” أو تنتهي به الليلة في “الكوميسارية” بسبب السكر العلني البين. كما أن الحديث عن إرجاع المخزون بدون تكلفة مالية هو كلام سكارى وليس تحليلا منطقيا، إذ إن إرجاع المنتوج كاملا سوف يحتاج إلى وقت زمني لتعويضه، إن صدقنا على مضض هذا الطرح الطافح بالمثالية. وهذا الوقت ألا يقاس بالمال في عالم التجارة، سواء بحلالها أو غير حلالها (حتى لا نقول حرامها).
العربدة.. تفرز التناقض
لتبييض صحيفة سعيد ولد الخريبكي إعلاميا، كان لا بد من إخراج “إله الخمر الأب” من قبره لتبرئة ابنه في قضية الخمور المغشوشة وغير الصالحة للاستهلاك. ولهذا الغرض، نشر فريق الدفاع الإعلامي “بريدا إلكترونيا يعود إلى سنة 2016 بدعوى أنه يتعلق بالمحجوزات غير الصالحة للاستهلاك التي تم إتلافها في سنة 2020! وهنا، يحق لنا أن نتساءل: “ألم يقل صاحب المقال بأن الموزعين لا يخسرون شيئا عندما يتم إرجاع النبيذ من الحانات بإيعاز من المستهلك؟ ألم يجزم بأن الزبون هو سيد قراره في الخبرة المنجزة على نبيذ “بوناصا”؟ ألم يشدد على أن المنتِج (بكسر التاء) الأصلي يكون مطالبا بتعويض البضاعة الفاسدة، إما نقدا أو عينا؟ فلماذا احتفظ سعيد بوقنوف ووالده بعشرات الآلاف من قنينات “بوناصا” في مستودعهما بحد السوالم لسنوات عديدة؟ ولماذا رفضت الشركة الموزعة استبدال هذه البضاعة كل هذه المدة؟.
إن الجواب عن هذه التساؤلات يجعلنا ندخل في تناقض صريح وصارخ: فإذا كانت الشركة الأصلية ملزمة بتعويض المخزون الذي يتم إرجاعه، كما زعم صاحب المقال سلفا، فإننا لن نجد وقتها في مستودع سعيد ولد الخريبكي أية قنينة فاسدة أو منتهية الصلاحية؛ لكن العكس هو الذي حدث. لقد تم العثور على أكثر من 20 ألف قنينة غير صالحة للاستهلاك، فضلا عن رصد مخالفات جمركية وضريبية أخرى عديدة لم يتحدث عنها صاحب المقال. فأين المشكل إذن؟.
إذ أخذنا بطرح صاحب المقال، والذي سنكون مطالبين بتصديقه في هذه الحالة، فإن المسؤولية الجنائية إزاء القانون والأخلاقية إزاء المستهلك يتحملها سعيد ولد الخريبكي وحده وليس أي شخص آخر! فقد كان مطالبا بإرجاع المخزون الفاسد فورا إلى الشركة الأصلية، وليس انتظار وفاة والده وانصرام أكثر من ست سنوات. كما كان ملزما بإرسال أكثر من بريد إلكتروني للإلحاح على الشركة المزودة للمطالبة بالتعويض أو استبدال البضاعة، وليس الاقتصار على بريد واحد في مدة ناهزت سنوات طوال. أكثر من ذلك، كان مفروضا في “إله الخمر” أن ينقل البضائع الفاسدة إلى مستودع خاص بها لا إشراكها وخلطها مع البضائع الموجهة إلى خمارات القرب.
وكسؤال أخير، قبل ختم هذا المقال: كيف يفسر الموقع الإخباري المدافع عن سعيد بوقنوف نتائج الخبرة التقنية التي أنجزها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، والتي أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن تلك المحجوزات الخمرية فاسدة وغير صالحة للاستهلاك؟ وكيف يمكن أيضا تفسير المحجوزات الفاسدة الكثيرة التي تم العثور عليها في العديد من الحانات والمحلات التجارية والخمارات، والتي لم يتم إرجاعها إلى الشركات المنتجة، على الرغم من أن الموقع الإخباري المعلوم تحدث عن نظرية جديدة تعتد بـ”خبرة السكير في جودة النبيذ”؟.

قم بكتابة اول تعليق