أفريقيا بلوس _ الأسبوع الصحفي
طفت على سطح الأحداث، مؤخرا، جرائم اختطاف واغتصاب أطفال، وقتلهم في بعض الحالات، وهذه الجرائم ليست وليدة العصر، بل إنها قديمة قدم التاريخ، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورها حاليا في نشر ما يقع في المجتمع وأصبح الكل على اطلاع بما يجري من هذه الجرائم وغيرها، زد على ذلك، عمل عدة منظمات حقوقية على إخراج هذه الظاهرة من “الطابو” الذي كانت قابعة فيه، إلى العلن، وأخذت فعاليات من المجتمع المدني تحارب الظاهرة بالضغط على المشرع من أجل تغيير النصوص القانونية ومن ثم العقوبات المتخذة في حق هؤلاء المجرمين، وذلك من خلال عدة تظاهرات واحتجاجات، ومناقشة القضية في برامج إذاعية وتلفزية.. لكن على أرض الواقع، لا شيء تغير نحو الأحسن، بل الوضع ازداد من سيء إلى أسوأ.. والأفضع من ذلك، أن القضية أصبحت حديث وسائل إعلام أجنبية، وأصبح المغرب موصوما بعار الاغتصاب حتى أن إحدى المنابر كتبت، عقب فضيحة اغتصاب الطفلة إكرام (مدينة طاطا) شهر يونيو الماضي: ((تعتبر متابعة الجاني في حالة سراح بعد دفعه كفالة مالية، فضيحة تستدعي المساءلة القانونية وفتح تحقيق في الموضوع، على اعتبار أنه يسيء إلى القضاء المغربي، ويزعزع الثقة به لدى المواطنين، كما يضع المملكة في وضعية المساءلة بخصوص التطبيق الصارم والمبدئي لالتزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحقوق الطفل التي صادق عليها))، ولو لم تكن العقوبات الزجرية المتخذة في هذا الباب متساهلة، إن صح التعبير، لما كانت هذه الجرائم تتكرر بين الحين والآخر، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار وضعية السجون حيث ينعم السجين بكل وسائل الراحة (غرف النوم، الحمام، المنلاعب الرياضية، التكوين المهني، الدراسة… وغيرها) وكأنه في فندق وليس مؤسسة عقابية، ليطرح السؤال: ما الذي يردع المجرم لعدم تكرار جريمته في ظل نصوص قانونية لا تتسم بالصرامة؟
فبالرجوع إلى الفصل 486 من القانون الجنائي المغربي الذي ينص على كون ((الاغتصاب جريمة يعاقب عليها بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، غير أنه إذا كان سن الضحية يقل عن ثمان عشرة سنة أو كانت عاجزة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا، فإن الجاني يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة))، ليشدد الفصل 487 العقوبة على مرتكب جريمة الاغتصاب ((إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها، أو وصيا عليها، أو خادما بالأجرة عندها، أو عند أحد من الأشخاص السالف ذكرهم، أو كان موظفا دينيا أو رئيسا دينيا، وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو بعدة أشخاص))، لكن بيت القصيد هو الفصل 475 الذي جاء فيه: ((من اختطف أو غرر بقاصر يقل سنه عن 18 سنة بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 200 إلى 500 درهم))، بالله عليكم، كيف يمكن إثبات استعمال العنف أو التدليس أو التهديد سواء من طرف الجاني أو المجني عليه، فالأول حتما ينكر، والثاني يقول ما يقوله تحت تأثير الصدمة وهول الواقعة، وبين هذا وذاك، تضيع خيوط الحقيقة، لكن يبقى الاغتصاب اغتصابا، علما أن فعل غصب يعني أخذ الشيء بالقوة ودون إرادة الطرف المغتصب، وهو يشبه أخذ حياة شخص، مما يتطلب تنزيل أشد العقوبات، وليس من سنة إلى خمس سنوات.. فهل بإمكان هذه العقوبة محو الأثار النفسية التي يخلفها فعل الاغتصاب في نفس الضحية؟ هل مبلغ 200 أو 500 درهم يعالج ما يصيب الضحية من أمراض عضوية ونفسية، دون الحديث عن وضعية أسرته وسط الناس ونحن لا زلنا نعيش في مجتمع “عار” و”عيب” و”حشومة”.. مما يصعب معه إعادة إدماج الضحية بشكل سليم في المجتمع، هذا إذا لم يتم التنكيل بالضحية وقتله لمحاولة التخلص من أثار الجريمة (حالة عدنان طنجة نموذجا).
وفي ظل استشراء الظاهرة في بلادنا، وبينما يطالب البعض بتغيير النص القانوني المعتمد ومعاقبة مرتكبي جرائم الاغتصاب بأقسى العقوبات حتى يكونوا عبرة، يرجع البعض سبب هذه الجريمة إلى خلل أو مرض نفسي لدى الجاني، يجعله يميل إلى ممارسة الشذوذ الجنسي على الأطفال، إناثا وذكورا، والبعض الآخر، في تفسيره للظاهرة، يعزو السبب إلى كون مرتكب الاغتصاب يكون هو الآخر تعرض لممارسة مثيلة في صغره، وتكبر معه الصدمة، لتجعله، فيما يشبه الانتقام، يقوم بنفس الممارسات، ليطالبوا بتخفيف عقوبته أو إرساله إلى مؤسسة استشفائية لعلاجه.. فمن المذنب إذن، في هذا الموضوع؟
فمعالجة الظاهرة تتطلب تعبئة مجتمعية شاملة، وإعادة النظر في المنظومة القضائية بتغيير النصوص الزجرية والحرص على تطبيقها، وأيضا التنسيق بين كافة الفعاليات، من مجتمع مدني وأمن وقضاء، على الأقل للحد من مثل هذه الجرائم التي تذمر المجتمع ككل وليس شخصا أو أسرة.

قم بكتابة اول تعليق