بقلم: حسوني قدور بن موسى
إن منصب نقيب المحامين فريد من نوعه، فهو يختلف كليا عن باقي المناصب الأخرى، بحكم أنه ينتمي إلى مهنة ليست كباقي المهن، لذلك يجب على النقيب أن يتحلى بجملة من الصفات والمميزات، منها على الخصوص الثقة والصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة والثقافة والشجاعة والنضال، فهو الذي يحمل مشعل رسالة المحاماة النبيلة، وهي الدفاع من أجل حماية الحقوق والحريات في المجتمع ومناهضة الظلم ومحاربة الفساد والمفسدين.
ذات يوم، وجه أحد الصحفيين في فرنسا سؤالا إلى نقيب هيأة المحامين بباريس، هنري روبير، سنة 1936: هل كنت تتمنى أن تكون قاضي منصة بدلا من وقوفك أمامه للدفاع؟، فأجابه نقيب المحامين بقوله: القاضي رجل قانون لم يستطع الوقوف فجلس، وأنا أقول: إن كان القضاة يحاكمون البشر على مخالفاتهم للقانون، فإن المحامين يحاكمون أحكام القضاة ذاتها، فيثبتون بطلانها فتقبل الطعون وتلغى الأحكام بأحكام تعالجها، وهكذا انتبهت الدساتير في الدول الديمقراطية لسمو رسالة المحاماة وبالغ أهميتها لتحقيق العدالة وضمان سيرها، فرسخوا مفاهيم الحماية لهذه المهنة النبيلة وللمدافعين عن حقوق الإنسان خوفا من بطش السلطة، أما الدول الاستبدادية، فلا تعترف لا بحقوق الدفاع ولا بحقوق الإنسان.
يعتبر المحامي أحد أجنحة القضاء، بدونه لا يكون للقضاء وجود، فلا محكمة بدون محامي في كل دولة ديمقراطية، فهو يحمي الناس من تعسف السلطة، وهو دائم الاحتكاك بالناس وبهمومهم.
إن الحديث عن جدارة هيأة الدفاع وأهميتها للتفاعل البناء مع القضايا الوطنية والمساهمة في إصلاح القضاء، هو ما يقع على عاتق مهنة المحاماة من واجبات ومسؤوليات باعتبارها الطرف الرئيسي في تحقيق المحاكمة العادلة ونصرة الحق وتجسيد سيادة القانون وتحقيق أهم مبادئ حقوق الإنسان، خاصة الحق في الدفاع وما يتصل به من ضمانات فعلية يجب أن يتمتع بها المحامي عند القيام بمهامه، لذلك، فإن نقيب المحامين يتحمل أكثر من غيره مسؤولية الدفاع عن حقوق المحامي ومكاسب مهنة المحاماة وحرية التعبير، وأن لا يدع سبيلا أمام رغبته في احتكار القضايا واستغلال منصبه لكسب قضايا لمنفعته الشخصية، وينسى المسؤولية التي تم انتخابه من أجلها، وأن يكون جديرا بالثقة من طرف زملائه، كما يجب أن يتوفر على المستوى العلمي المرتفع والمعرفة بجميع فروع القانون، واللباقة في الكلام وحسن التصرف مع الزملاء، والاطلاع الواسع على شؤون المهنة وقضايا المجتمع، وأن يعمل على تحقيق الإنجازات المادية والمعنوية لصالح المحامين، وأن لا يبالغ في القول ويعجز عن الفعل والوفاء بما وعد به زملاءه المحامين في حملته الانتخابية.
يرتبط دور نقيب المحامين بمشاكل مهنة المحاماة التي تعني حماية حقوق وحريات المواطنين، وهي الدعامة الأساسية لتحقيق العدل والمساواة في المجتمع، لأن مهنة المحاماة وجدت من أجل حماية الإنسان وماله وعرضه وحريته وكرامته، والقضاء لن يكون مستقيما بدون حماية مهنة المحاماة، لذلك، فإن معظم المحامين في المغرب، أكثر من أي وقت مضى، يتطلعون إلى نقباء مناضلين قادرين على تحسين وضعيتهم المادية والمعنوية، فهم يتعرضون لضغوطات وإكراهات صعبة، منها على الخصوص فرض الضرائب المجحفة غير العادلة، مثل الضريبة على القيمة المضافة التي تخص فئة التجار والتي أعفي من أدائها الأطباء والعدول، حيث أصبح المحامي مستهدفا من طرف إدارة الضرائب، تحجز حساباته البنكية وممتكاته دون سلوك المسطرة القانونية، كل ذلك يتم تحت أنظار نقيب المحامين، في حين خرج المحامون في فرنسا إلى الشارع وألقوا ببدلاتهم على الرصيف احتجاجا على قانون التقاعد المجحف، هذه الإضرابات العامة تقع في فرنسا، أم المحاماة، لأن نقابة المحامين ليست ثكنة عسكرية يمنع عنها الإضراب والاحتجاج للتعبير عن مطالبها، فإذا كان المحامي رجل القانون عاجز عن الدفاع عن حقوقه.. فكيف يا ترى يستطيع الدفاع عن حقوق الناس؟
إن بعض النقباء يعتبرون منصب النقيب امتيازا وسلطة مسلطة على رقاب المحامين، يتمنون البقاء في مناصبهم مثلهم مثل زعماء الدول العربية يظلون جاثمين على صدور دولهم إلى أن يموتوا أو يقتلوا، ومن مظاهر تراجع دور النقيب في حماية كرامة مهنة المحاماة، خضوعه لتعليمات السلطة القضائية، مما يدل على ضعف شخصيته وتكوينه القانوني والسياسي.
إن استقلال مهنة المحاماة يقتضي احترام القضاء لدور المحامين وإتاحة الفرصة كاملة لهم للقيام بواجبهم المهني، لأن استقلالية المحامين تعتبر من أسمى مطالبهم النقابية، لذا كان من واجبات النقيب، حماية المحامي من جميع أشكال التعسف التي قد يتعرض لها من طرف السلطة القضائية لا أن ينحاز إلى السلطات لقضاء مصالحه الخاصة على حساب المحامين الذين صوتوا عليه وأوصلوه إلى هذا المنصب، لينقلب عليهم ويتقمص شخصية الرئيس الآمر والناهي.
محامي بهيأة وجدة

قم بكتابة اول تعليق