أش وقع اليوم
ما قصة العلاقات المغربية ــ الإيرانية؟ لماذا اتخذ الملك الراحل الحسن الثاني مواقف مناوئة للثورة الإيرانية منذ اللحظة الأولى لقيامها؟ ولماذا غير موقفه بعد ذلك؟ كيف تدخلت الجزائر على الخط في اللحظات الأولى وأرادت إفساد العلاقات المغربية ــ الإيرانية؟ كيف استقبلت النخبة المغربية الثورة الإيرانية بعد قيامها؟ وكيف كان أداء المغرب خلال الحرب العراقية ــ الإيرانية؟
هذه الأسئلة وغيرها نتابع الإجابة عليها خلال شهر رمضان مع كتاب الباحث الدكتور إدريس الكنبوري “أمير المؤمنين وآية الله.. قصة المواجهة بين الحسن الثاني والخميني”، الذي خص به جريدة هسبريس.
الحلقة الثامنة
مع الانقلاب الذي حصل في أفغانستان في أبريل من عام 1978، وأطاح بنظام سردار محمد داود خان الذي تم قتله على يد الشيوعيين التابعين للحزب الديمقراطي الشعبي، الموالي للاتحاد السوفياتي، بدأت الأوضاع في إيران تدخل مرحلة الاضطرابات وبدأ العرش الملكي في الاهتزاز.
وبالنظر إلى التزامن بين الانقلاب في أفغانستان وبين الاضطرابات في إيران، بدأ كثيرون يتحدثون عن مرحلة سقوط الأنظمة، وعن عدوى الحالة الأفغانية.
ولكن حتى ذلك الحين، لم يكن أحد يتصور أن وراء تلك الاضطرابات رجال الدين، بل كان الجميع يعتقد أن الشيوعيين الإيرانيين هم صانعوها؛ ذلك أن فكرة الثورة نفسها في ذلك الوقت، في العالم كله، كانت تعني ثورة الشيوعيين فحسب، وزاد في تعقيد الصورة ظهور حزب تودة الشيوعي على المكشوف لأول مرة، بعد أن كان لزمن طويل يعمل في إطار السرية.
بدأت المظاهرات في إيران خلف أسوار الجامعات في طهران وباقي المدن، ثم سرعان ما انتقلت إلى الشارع، فاشتعلت في 24 مدينة إيرانية، وعلق المتظاهرون فوق المساجد الرايات الحمراء التي ترمز إلى الحسين بن علي، رمزا للتضحية والفداء. ولم يجد الشاه أمامه سوى الدفع بالجيش كله إلى الشارع، وإطلاق أيدي البوليس السياسي (السافاك) للقتل والاعتقال، من دون أن يعرف أنه بذلك يضع الأنشوطة حول عنقه بإرادته.
وكان ذلك يزيد الشارع غليانا وغيظا، خصوصا مع الممارسات الوحشية التي كان يلجأ إليها البوليس السياسي مع ذوي المواطنين الذين كانوا يتعرضون للقتل؛ فقد نشرت مجلة “الوطن العربي” مثلا في تلك الفترة أن “السافاك” كان يفرض على عائلة القتيل دفع مبلغ 700 طومان، أي ما يعادل 170 دولارا، مقابل الحصول على الجثمان، كما لو أن ذلك هو ثمن الرصاصات التي اخترقت صدره.
وفجأة وصلت الثورة إلى مدينة قم المقدسة، حيث مجمع العلماء والفقهاء الشيعة، مما يعني إشعال فتيل المواجهة بين رجال الدين والنظام السياسي. وفي ذلك الحين كان الخميني قد مزق ورقة التقية التي اعتاد عليها الشيعة طيلة قرون، وبدأ ينتقد الشاه ونظامه بشكل علني، وكانت توجيهاته وخطبه النارية تدخل إيران سرا في أشرطة الكاسيت فتلقى رواجا بين الطلاب والمواطنين، وخصوصا بين الفقهاء الشبان في قم.
ونظرا لأن الصورة لم تكن قد اتضحت بما فيه الكفاية، وما إن كان رجال الدين أم الشيوعيون هم من يقف وراء الأحداث، هاجم الحسن الثاني، في حوار صحافي مع جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية في نوفمبر 1978، البهائيين في إيران، معتقدا بأنهم وراء الاضطرابات، وقال إنه يتعين توجيه اللوم إلى مذهب البهائيين “الذي يعتبر مذهبا قويا في إيران”، مشيرا إلى أن البهائيين “يحاولون نسف الدين الإسلامي وأنه يتعين على الشاه أن يحظر هذا المذهب ويقيم علاقات مع أغلبية المسلمين الشيعة في بلاده”. وكان المغرب قد أقدم على خطوة مماثلة عام 1962 عندما عقد محاكمة لعدد من الشبان الذين اعتنقوا المذهب البهائي في الناظور.
وقد حذر الحسن الثاني من أن الوضع في إيران يمكن أن يؤدي إلى حدوث كارثة عالمية من جهتين، من جهة حرمان الغرب من البترول، ومن جهة ثانية تعرض الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية للخطر، “مما يؤدي إلى نشوب حرب مقدسة من طرف مسلمي العالم”.
وبدا أن الملك متفائل من بقاء الشاه في الحكم، حيث اقترح على إمبراطور إيران إعلان الأحكام العرفية وتطبيقها بكل صرامة، وتنظيم انتخابات برلمانية في بحر شهرين، “وستُظهر هذه الانتخابات لجلالة الشاه القوى المعادية له، وسيكون له الوقت الكافي لإعادة النظام”، وقال إن الملكية الدستورية “هي أحسن طريق لخلاص إيران” وعلى الأحزاب السياسية أن تتعاون مع الملكية.

قم بكتابة اول تعليق