أفريقيا بلوس ميديا
متابعة : مديرة الموقع / زينب أنوار
بسم الله الرحمان الرحيم
” أسمار أنس “
من دفء إفرنجي ببوسيجور بطعم العطور الباريسية ، وحفيف أشجار الصفصاف والزيزفون ، ومن همس نسمات مستوردة ، إلى دفء أصيل بالحي المحمدي ، بلون السنابل في البيادر، وبلون السراب لما يجلده فيح العصاري ، وبريح الثرى لما تدكه الحوافر ، تأرجح الولد بين هذا وذاك .
ولعله انتشى حتى الثمالة بعالمه الجديد ، الذي عاشه شهريارا ، بل فاقة بأن كان نهاره كألف لياليه .
فقد كان بيت الخال والخالة ملتقى شبه يومي لكل العائلة ، تؤثته الجدة أو “نانا ” كما كان يناديها ، إضافة للبدو الوافدين من ربوع الشاوية الفيحاء بسهولها الطيعة كخد ولادة لما شاع صحنه للقبل .
استأنس الفتى بالليالي السمرية ببيت الخال ، والتي كانت تمتد إلى ما بعد الغسق ، كان يسبح في ملكوت من الأساطير الخرافية ، صورها حكي الجدة كعالم مخملي من الجن والملائكة ، وتعلق بهؤلاء البدو ، حتى إنه تعقبهم في إحدى الليالي ليسبر قلاعهم السحرية ، ولم يستفق إلا على صفعة على خده من الخال ، لازال صداها يعوي في صروح ذاكرته إلى اليوم .
كانت نفس الفتى تواقة لاكتشاف هذه البادية التي اختزلها في ديك جدته ، بألوان ريشه الزركشية ، والتي كانت للفتى كلوحة من قطوف نيسان ، أخذت بلباب مخيلته الفتية ، والتي كانت ترقص منتشية كغادة همس الوجد في خلدها ، خصوصا لما يصيح الديك وينفش ريشه .
لم يكن الفتى حينها قد تجاوز الرابعة من عمره ، لم يكن ولج وقتئذ لا مدرسة ولا كتابا ، وكان يحسب العالم هو هذا النعيم الذي يرفل فيه ، ما بين حضن أمه الدافيء كعش من أيك وريش ، وبين حكي جدته الأسطوري الذي يأخذه فوق سحاب من بلور ، وعلى أجنحة من سندس ، وهذا السمر الخرافي الذي يرديه حالما منتشيا كأشعة الشفق لما تحضنها ليالي الخريف .
استأنس الفتى بهذا العالم وأحس أنه ينتمي إليه ، وإن ظلت مسحة الأحياء الإفرنجية تطبق على طباعه، وتسمو به أحيانا إلى عوالم شاعرية تجردت الطين والثرى ، ولعل هذه العوالم هي التي طبعت ملكته الشعرية والأدبية .
وجاء اليوم الموعود لاكتشاف القلاع السحرية للبدو الوافدين ،
قيل له سنذهب غدا للبادية ….
يتبع …..

قم بكتابة اول تعليق