أصدرت حركة “العدل والإحسان” وثيقة سياسية من بنات أفكار الجيل الجديد الذي تنوي عن طريقها إدخال عدة تحولات تنظيمية على هياكلها، وهي التحولات التي لم تعرفها منذ وفاة مرشدها العام الروحي عبد السلام ياسين، وإقصاء ابنته نادية ياسين.
والحقيقة هي أن هذه الوثيقة ليست سوى جمع لشتات منشور هنا وهناك في العديد من الوثائق السياسية والدراسية لجهات أخرى داخل المغرب وخارجه، ثم إنها تشكل منعطفا أدبيا جديدا تستعد الحركة لتبنيه عبر تغيير وجهتها نحو إنشاء حزب مندمج داخل المشهد السياسي على رماد حزب العدالة والتنمية الذي لفضه المغاربة.
والمتتبع للمسارات التاريخية للأحزاب المغربية يعلم بأن منظمة العمل الديمقراطي التي أسسها بعض اليساريين لتخلف حركة 23 مارس، ذات التوجه الماركسي اللينيني، ظلت بدورها منذ عام تحولها إلى التنظيم الحزبي سنة 1983، تبحث عن جدور لها داخل المجتمع وداخل المعترك الديمقراطي بانتخاباته وتحالفاته، فلم تجد لها موقعا يؤهلها للتموقع القوي داخل البرلمان المغربي، إلى أن غادرها قياديوها نحو وجهات حزبية أخرى، بالرغم من صمود بنسعيد أيت يدر إلى أن لبى داعي ربه وقد شاهد بأم عينيه منظمته وهي تتكسر على صخرة الواقع، لتتحول إلى حركات واتجاهات أخرى، قبل أن تندمج في ما أصبح يسمى بحزب اليسار الاشتراكي الموحد.
أما حزب العدالة والتنمية فبالرغم من مساره التاريخي الطويل منذ تأسيسه من طرف الراحل عبد الكريم الخطيب أثناء انشقاقه عن حزب الحركة الشعبية سنة 1967، فبالرغم من إدماجه لحركة الإصلاح والتجديد داخل هياكله سنة 1992، فقد وضع أمام هذه الحركة شروطا لا يمكن أن تحيد عنها، ومنها: الاعتراف الصريح بالملكية الدستورية، والابتعاد المطلق عن كل الأفكار العنيفة. ومنذ ذلك الزمان، والحزب يتقلب في مكانه، إلى أن وجد طريقه إلى المواطنين، عبر بوابة التغيرات الكبيرة التي عرفها المسار السياسي في المغرب في العهد الجديد، بقيادة الملك محمد السادس، إضافة إلى النافذة التي فتحها الدستور الجديد، بعيدا عن ثقب الربيع العربي الذي أطل منه هذا الحزب، وساعده على خلق امتداد داخل البرلمان المغربي، وبالتالي قيادة الحكومة بالرغم من ضعف الكفاءة لدى الأطر التي استفادت من حقائب وزارية، ضمن تحالف واسع مع عدة أحزاب أخرى.
وبالرغم من أن تكوين حزب العدالة والتنمية للحكومة، قد سرع في تغيير بعض أحزاب اليسار لجلبابها التاريخي، كحزب “التقدم والاشتراكية” الذي هاجر هويته كوريث للحزب الشيوعي، المتعارض كليا، في إيديولوجيته، مع حزب “العدالة والتنمية” ذي المرجعية الدينية، فإن الطموحات المبالغ فيها لقيادييه، الذين استلذوا طويلا دفء الكراسي الحكومية، مما أعماهم عن مرجعياتهم التاريخية، وجعلهم يتيهون في عالم مغاير ويولون الأدبار عن هوياتهم، وكأنهم اكتشفوا بشكل مفاجى مضمون الآية الكريمة : “قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترتضيها”.
لقد لامسنا عبر هذه الرحلة القصيرة بعض المسارات التاريخية لعدد من الأحزاب التي عرفت منعطفات تحولية على المستوى التنظيمي، تكاد حركة العدل والإحسان تقترب منه حاليا، إلا أن مرجعيتها الفكرية لا تزال بعيدة عن الانسجام مع الهوية المغربية الأصيلة، والامتداد الحضاري للدولة والمواطن بكل اعماقه التاريخية، في الحكم والعقيدة والمذهب. ومع أن هذه الحركة تسعى إلى تأسيس حزب بمنطلقات وأدبيات غريبة عن مجتمعنا فيما يخص مفهوم الجهاد وأمور الشورى والخلاص والخلافة وغيرها، فإن الأحزاب المشكلة للمشهد السياسي المغربي التزمت الصمت إزاء الوثيقة السياسية لهذه الحركة، وكأنها مندهشة من هذا التحول التنظيمي المرتقب، بل إن الأحزاب اليسارية على الخصوص، كحزب “التقدم والاشتراكية” و”الحزب الاشتراكي الموحد” ما لم نتحدث عن “الاتحاد الاشتراكي” أيضا، وعن “العدالة والتنمية”، لم تحرك ساكنا ولو بالنقاش أو التفاعل.
قد يبدو الأمر غريبا، خاصة أن المنهجيات والوسائل والمرجعيات تتعارض بين هذه الأحزاب والحركة المذكورة، إلا أن الزحف الذي أعلنه نبيل بنعبد الله نحو العدالة والتنمية، قد يجعله يبحث عن مخرج جديد بتنسيق مع نفس الحزب، لطرق أبواب حركة العدل والإحسان، بحثا عن التميز، أو حجزا لمقعد حكومي في المستقبل البعيد جدا.
فالأحزاب اليسارية التي محت بجرة قلم تاريخ مناضليها، ومنهم الراحل آيت الجيد الذي استشهد على يد إسلاميين في زمن المواجهات الجامعية، والذي لا تزال أطوار محاكمة المتهمين فيها جارية، ومنهم القيادي في العدالة والتنمية حامي الدين، بل إن أدبيات الحركات الإسلامية كانت حتى الأمس القريب تحشر أهل اليسار ضمن خانة الملحدين – فيما ينعت اليساريون الإسلاميين بالظلامية- هذه الأحزاب، وقياديوها الجدد، مستعدون اليوم، فيما يبدو، لطي صفحة الماضي مقابل الاستفادة من صفة وزير، حتى ولو فكر أشباه المعارضين الفارين إلى الخارج تأسيس حزب جديد، نقصد طبعا هشام هراندو وعلي المرابط والقرحان في شروقه.
قم بكتابة اول تعليق