أول من انبرى يَنشُر بيانا صحفيا يَستعرِض فيه خدماته المُسداة للدولة، ويَستظهر فيه مُنجزاته المزعومة المقدمة لفائدة الوطن والأمة العربية والدين الإسلامي، كان هو عبد الله بوصوف الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج.
وتجسيدا لمبدأ “التضامن” بين المُتابعين في ملف تمويل إدريس فرحان، هَرع سعيد الفكاك إلى حائطه الفايسبوكي ليَنشر هو الآخر بيانا صحفيا، استعرض فيه رصيده النضالي، وتاريخه السياسي، في مَعرض ردَِّه على المقالات الصحفية التي تناولت خبر إخضاعه للتحقيق في قضية الدعم المالي المقدم لشخص مطلوب قضائيًا في جرائم المس بالسلامة الداخلية والخارجية للوطن.
ومن تَجلِّيات “التضامن” بين عبد الله بوصوف وسعيد الفكاك أنهما حَصرا معا مُنجزاتهما المفترضة في “أربعين سنة”، وكأنهما اتفقا على نفس المحتوى الإعلامي قبل عَرضه للنشر أمام الرأي العام.
لكن من يُطالع البيانات الصحفية الصادرة عن كل من سعيد الفكاك وعبد الله بوصوف، يَخرج بقناعة راسخة مؤداها أن الرجلين وكأنهما دائنان للدولة ويَطلبان منها تطبيق نظام المقاصة القضائية لاستخلاص مديونيتهما! أو بتعبير آخر: “هذه خدماتنا ومنجزاتنا المُقدمة للدولة والحزب مقابل عدم الخوض في أخبار متابعتنا القضائية”.
بل إن البيانات الصحفية المتسارعة التي صَدرت عن المتابعين في هذا الملف، تُوحي وكأنهما يَعتبران تاريخهما الوظيفي والنضالي مُوجبا للحصانة ضد المتابعات القانونية، وحتى ضد كل ضُروب المتابعات الصحفية والإعلامية.
وفي سياق هذا الإسهاب في البيانات، لم يَبق سوى إدريس فرحان، والسائق الخاص لعبد الله بوصوف، والسائق السابق لسعيد فكاك، الذين لم يَنشروا بدورهم بلاغات صحفية يَستعرضون فيها منجزاتهم وخدماتهم “الجليلة” المُسداة للدولة والمجتمع والعالم بأسره.
فمن غير المستبعد أن يَخرج إدريس فرحان في بلاغ صحفي، يَستعرض فيه هو الآخر خدماته الجليلة في مجال النصب والتشهير والمس بالسلامة الداخلية والخارجية للوطن!
ومن المنتظر كذلك أن يَتحدث إدريس فرحان عن “أربعين سنة من العمل التشهيري”! وأن يُطالب هو الآخر بالمقاصة القانونية والقضائية!
ومن سيَمنع (كذلك) السائق الخاص لعبد الله بوصوف والسائق السابق لسعيد فكاك من إصدار بيانات صحفية، فهم بدورهم متابعين في هذا الملف، وواجب التضامن يَفرض عليهما نشر بلاغات صحفية يَستعرضان فيها “أربعين سنة من العمل في سياقة وخفر التحويلات المالية المهداة لإدريس فرحان”.
إنها مُوضة جديدة في التعامل مع المتابعات القضائية، تَتمثَّل في مُقايضة الأبحاث والمساطر القانونية في مُقابل المنجزات الشخصية المقدمة! إنها مَقاصة مُتطورة تُغنينا عن الأساليب التقليدية التي كان يَعتمدها المعطي منجب ومن معه للتنصُّل من المتابعات القضائية.
فالمعطي منجب وتوفيق بوعشرين ومحمد زيان أصبحوا مُتجاوزين، وفي حُكم المتخلِّفين، في ظِل عبقرية المقاصة القضائية التي ابتدعها بوصوف والفكاك.
فعوض الدخول في إضرابات عن الطعام، مُكلِفة للصحة والبَدن، وبَدلا من المراهنة على تقارير المنظمات غير الحكومية الدولية، مِثلما كان يَفعل المعطي منجب ومن معه، أصبح اليوم بإمكان المتابعين في ملفات مُماثلة التأسي بعبد الله بوصوف وسعيد الفكاك والاكتفاء بنشر سيرتهم الذاتية، وتَقديمها على أنها مُنجزات مُقدمة لفائدة الملك والدولة والمخزن والشعب!
لكن المؤسف حقيقة في حالة عبد الله بوصوف هو أنه الوحيد الذي أسدل “القُدسية” على عِرضه وكَرامته وسُمعته! وقال بلسان يَلهج بالأنانية “أنا ومن بعدي الطوفان”.
فأن تَمنَح المال لإدريس فرحان، حفظا لسُمعتك من التشهير والإزدراء والاستهجان، وتَسكُت عن حَملاته المُغرضة ضد الملك ومُستشاريه ومُساعديه الأقربين ونساء ورجال الأمن والدرك والمخابرات. فهذا هو مُنتهى العَبث!
وأن تَصون سُمعتك من التشهير والإهانة باستخدام المال، وتَترُك في المقابل سُمعة المؤسسات الدستورية والشخصيات الوطنية تُنهَش بأنياب الأرقط السعران. فهذه فعلا هي “المُواطنة الحَقَّة”، وهذا هي “الغيرة الحقيقية” التي يَجب أن تتوفر في رجالات الدولة.
ولحسن الحظ أن في هذه الدولة رجال صَدقوا ما عاهدوا الله عليه! أما من يَشترون بسقط المتاع سُمعتهم بينما يَروا أعراض زملائهم تُنهش من طرف الكلاب، ولا يُحركون ساكنا، بل ويُغدقون بالمال على الكلاب الضالة، فمن الأجدر بهم أن يَصمتوا، على الأقل، إلى حين.
قم بكتابة اول تعليق