“سيرتي الذاتية “
انطلق موكب الجدة دافئا كظل أيكة في هجير الرمضاء ، انطلق يشق حقولا من سنابل وأدتها مخالب حصاد ظميء غليل ، وقد لامست قدما الفتى هذا التراب الناعم اللين ؛ كرقائق من سندس . وكل جارحة فيه تهمس لهذا الجلال والجمال ببوح جارف من الإلتياع والانتماء .
وعلى مشارف بيت الجدة طالعت الفتى أسراب من الطيور ، من حمائم ويمام وهزارات وفراخ، وتداعت إلى روعه البض همساتها وقد تمازجت في اوركسترا من شجن وترانيم ، هامت بالفتى إلى ملكوت من التجلي والتملي .
وانتصبت أكوام التبن والسنابل من حوله شامخة تتغنج ببريق ذهبي ، صقلته أحضان شمس صبة ملتاعة، مع بيادر من قمح نشيت من قدح حوافر الموريات فغدت كصفائح خد أنشته اللثمات .
وتملكت الفتى هذه اللوحات الحية والمفعمة بألوان سرمدية أزلية ، تنطق بجلال البديع ، في تبهل وتبتل صارخ يتمثل ويتجسم هذا الكمال من منطلق قوله تعالى : ” كل قد علم صلاته وتسبيحه”.
حل الفتى ببيت الجدة ، وكان بسيطا خلاه أي رفرف أو عبقري أو ترف ، إلا من حصير من سمار ودوم ، وسرير كالتابوت عصي أن تناله قامة الفتى ، حشاه مؤن ، ومتنه للهجوع.
تاه الفتى في هذا العالم الذي أطبق على شغافه يحلق بها في غور وعمق قصي سحيق من الانتماء الأصيل ، تجرد تماما غطرسة المدنية وزيفها ، ودنى إلى بساطة عفة كشفاه عذراء تبتلت القبل .
بات ليلتها حالما ، يتجاذبه في ذات الآن وسن حاني ، وأحلام تغذيها عتمة موحشة ، ربضت على فتيل شمع يجاهد في أناة ونصب ، حتى إذا تردى قبس هذا الفتيل وتداعى ، دبت البراغيت تروم جسد الفتى البض اللدن ، وزحفت إليه ترشف دمه الوردي ، وقد استطابت أدمة بشرته الزهراء ، فأحالتها إلى روض من شقائق النعمان والشقار الإكليلي ، وكان كلما استبد به وخز هذه الكائنات الخفية الرعناء، أو أفزعه نباح هو أقرب للعويل والعواء ، هزع إلى حضن أمه الدافيء كعش هزار بين أيك الخريف ، يستجدي حنوا يعبق بالأمان وروائح القرنفل والحناء .
ولم يفلح غبش الظلام وزلفته ، ولا لسع الهوام ووخزها ، ولا عواء يمزق السكون كفجور مقصلة في جيد ملائكي ، لم يفلح كل ذاك في قصل هيام الفتى وعشقه لهذه العوالم العذرية كرهبانية سانت كاترين ، لم يطمثها قذع وفحش مدنية مستوردة……
يتبع……..
قم بكتابة اول تعليق