عرف بدماثة أخلاقه ولقب بـ”رجل المهمات الصعبة” والقنص شكل له فرصة للتنفيس عن الذات
إدريس الحاضي الحمياني، مسؤول أمني استفاد من تجربته الكثير من زملائه بولاية أمن فاس ممن جايلوه، وخبروا تجربته مسؤولا أمنيا وقاسوا حجم وفائه للواجب المهني، أو اكتشفوا مهاراته في القنص واصطياد الطرائد بحماس العمل نفسه، للإطاحة بعتاة المجرمين ومخالفي القانون منذ ولج سلك الشرطة، إلى أن وافته المنية في حادث أليم في رحلة قنص بغابة ناحية إقليم صفرو، بعد إصابته بنوبة قلبية مفاجئة ناتجة عن مضاعفات مرضه بالسكري. هو مسؤول أمني تدرج كغيره في مختلف الرتب والمهام، إلى أن أصبح رئيسا للقيادة العليا للهيآت الحضرية بولاية أمن فاس. عرف بدبلوماسيته وقدرته على امتصاص غضب محاوريه بطريقة لم تخل أحيانا من صرامة يفرضها واجب مهني التزم به طيلة عقود من عمله في سلك الأمن، منذ ولج المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة.
فاسي قح
إدريس، فاسي قح، مولدا ونشأة وتربية، ولد بعاصمة العلم في 1959، وشب وترعرع بين دروبها العتيقة الضيقة قبل أن يبزغ نجمه مسؤولا أمنيا بها. وعاش وتربى وسط أسرة عريقة من أفرادها شقيقه الشاعر والقاص والإعلامي المهدي الأكبر منه ب8 سنوات، والمتوفي قبل نحو 3 سنوات بعد مسار غزير بشتى أشكال الإبداع. “توفي أخي وحبيبي إدريس واسطة عقد العائلة تغمده الله بواسع رحمته” هكذا نعاه المهدي في تدوينة بحائط حسابه “الفيسبوكي”، في ذكرى رحيله الثالثة، قائلا “ما زلت أعيش فراغ مكانه، أفتقد بسمته، مكانه بيننا، مرحه مع الأصدقاء، جديته في العمل. أتذكره في الكبيرة والصغيرة”، ليخلص “تركت فراغا مهولا يا حبيبي”. الراحل المهدي اختصر علاقته بشقيقه المحبوب، ليس فقط في وسطه العائلي وبين كل من عرفه طيلة عقود من العمل، بل من الكثير ممن جايلوه في حياته ومهنته، إلى أن توفي في 7 أكتوبر 2012 في غابة بصفرو حيث اعتاد قنص الوحيش مع زملائه وأصدقائه، في رحلات تكررت أسبوعيا وفي العطل ومختلف الأعياد الدينية.
خبرة وحنكة
ولج إدريس الحاضي الحمياني، الأمن الوطني في ثمانينات القرن الماضي وقضى في صفوفه أكثر من 3 عقود، عرف خلالها بعطائه اللامتناهي، وحبه لوطنه واستعداده الدائم لخدمته والحرص على سلامته واستقراره. وكان دوما قيد حياته يكرر عبارة “وطني أفديه بروحي” حتى بعدما تمكن مرض السكري منه وأحكم السيطرة على أعضائه. كان خدوما للناس ولمن يطلب خدماته وعصاميا في عمله عرف فيه بطيبوبته ودماثة أخلاقه لم يفرط فيهما حتى تسلق أرقى رتب ترقية كان دائما يعتبرها تكليفا وليست تشريفا، إذ “كانت هواتفه لا تغلق ليل نهار، لا يحضره نوم ولا يهدأ له جفن، ولا يهنأ إلا بنوم المدينة وهي في سلام” بهذه العبارات رثاه صديق له فجع لوفاته المفاجئة. وتحدث عن أنه “كان أبا حنونا لكل من ضاقت عليه ضائقة” و”هموم رجال الأمن بفاس، كانت همومه بالدرجة الأولى”، ف”لا يمكن أن تعرف الرجل وتحتاجه فيبخل عليك، كان شمعة تضيء درب الآخرين”، و”خبرته العالية والعلمية أهلته لحل أعقد مشاكل المدينة بحنكة وحكمة باهرتين”، و”لقد فقدت إدارة الأمن أحد أبرز حراسها”.
تجارب ومخاطر
لم يكن المسار المهني للرجل، مفروشا بالورود، فقد مر من تجارب خطيرة جدا أثناء أدائه مهامه وواجبه المهني في استتباب الأمن، سيما خلال تعقبه وزميل له أثر قاتل يهودي بحي الملاح بعدما هشم رأسه بمطرقة، في جبال ووديان بقرية با محمد، قبل اعتقاله واقتياده لولاية أمن فاس في واحدة من بطولاته في العمل الميداني. كان كل همه تجفيف منابع الجريمة، إذ لم يتساهل مع كل مرتكبيها، عكس وجهه الآخر في حسن التفاوض والإقناع وامتصاص الغضب، خاصة مع المحتجين بشوارع فاس كان أول من أسهب في الحديث عن مراقبتها بكاميرات قبل أيام من وفاته، إلى حد يلقبه البعض ب”رجل المهمات الصعبة بامتياز” أو “الرجل المتمكن” و”رجل الحلول”. مساره المهني وازاه جانب إنساني واجتماعي واستعداد تام للخدمة أيا كان نوعها، دون أن يخفي ذلك وجهه الآخر قناصا ماهرا تهابه وحيش الغابة في أي رحلة قنص تشكل فرصا للاكتشاف والاستمتاع والترويح عن النفس واستغلال كل يوم عطلة، للتنفيس عن الذات وإعادة شحنها بطاقة إيجابية لاستقبال أسبوع آخر من العمل الشاق. حميد الأبيض (فاس)
قم بكتابة اول تعليق