التَضليل الحُكومي!

محمد بنهيمة _ A.P Live Media

أن تَتعاقد الحُكومة مع وكالات للعلاقات العامة، لإبراز مُنجزاتها، أو لتَجميل حَصيلتها، فهذا أمر مَشروع ومَحمود في كثير من الدول والديموقراطيات.
لكن أن تُجنِّد الحُكومة كتائب الذُباب الإلكتروني، لاستباق حِوار يُجريه رئيس الحكومة، فهذه فَضيحة غير مَسبوقة ودعاية غير مَشروعة.
فالرُكون للذباب الإلكتروني المادي والافتراضي لتَعبيد الطريق أمام رئيس الحكومة، وتَثبيت مُنجزات غير حقيقية، وتَصريف رسائل مَخدومة ومُوَجهة حول التعديل الحكومي، فهو ضَرب من ضُروب التَضليل والتَنصل للشعارات الانتخابية وللبرنامج الحكومي.
بل إن تَكثيف عمل الذباب الإلكتروني المصاحب لحِوار رئيس الحكومة، يوم أمس الخميس، كان يَختزل مُحاولة مَفضوحة لمصادرة رأي المغاربة وتَعليبهم في خَندق واحد مؤداه أن “التعديل الحكومي في صالح المواطن وليس في صالح شَرِكات رئيس الحكومة”.
وإذا كان عمل الذباب الإلكتروني قد اقترن في العادة بعَمل الدِعايات المستترة، والحُروب غير النَمَطية، والمواجهات غير التقليدية، فإن الاستعانة به من طرف الحكومة يَنزَع عنها طابع الشرعية، ويُدرِجها في خانة التَضليل والتَدليس والفَضيحة السياسية.
وللأسف، فقد كان جُزء كبير من المغاربة، أو على الأقل الفِئة المهتمَّة بالعمل السياسي والحزبي، تَنتظر تَسويغات وتَبريرات رئيس الحكومة لاستوزار بعض الوجوه المحسوبة على “بِزنس العائلة”، لكنهم تَفاجؤوا بحملة مُمنهجة من التدوينات المتطابقة التي تَستبق الحوار، وتُحاول تَثبيت فِكرة واحدة مَفادها أن “التعديل الحكومي ضَروري وسوف يُعطي دفعة قوية للحكومة ويُساهم في تنزيل البرنامج الحكومي”!!
وقد يَكون من باب الصُدفة أو العَرضية تَشابه تَعليق أو تَعليقين أو ثلاثة، لكن أن تَتواتر عشرات التعليقات بنفس اللغة والمحتوى في المبنى والمعنى، فهذا أمر غريب ويَدعو للارتياب، ويَفتح الباب للتشكيك في خَلفيات هذا التَعديل الحكومي!
ولعلّ المستفِز للرأي العام، أن هذه الحملة الممنهجة من التعليقات المتطابقة استبقت حوار رئيس الحكومة، بحوالي نصف ساعة، وكأنها تُحاول تَعبيد الطريق لما سيقوله السيد عبد العزيز أخنوش.
وذلك ما كان بالضبط، فقد جاء عبد العزيز أخنوش ليُردِّد صَدى نفس الكلام الذي جاء في عمل الكتائب الإلكترونية! وكأن جِهة واحدة مَكشوفة هي التي أملت على رئيس الحكومة والذباب الإلكتروني نفس الكلام المبرِّر للتعديل الحكومي، ولإقحام ذَوي الأرحام وذَوي القُربى في الحكومة الجديدة.
وقد كان لافتا أن رئيس الحكومة لم يَكن مُرتاحا يوم أمس، سواء في سياق وخَلفيات خُروجه للحديث للرأي العام، أو حتى في تَبريراته التي قَدَّمها لشَرعنة التعاقد مع “قِطاعه الخاص لتدبير قِطاع المغاربة العام”.
فليس هناك رئيس للحكومة في العالم يَخرج في جُنح الظلام، وفي الهزيع الأوسط من الليل، وتحديدا عند الساعة الحادية عشر ليلا، لمخاطبة المغاربة بخصوص مَوضوع سياسي مُهم يَتعلق بالتعديل الحكومي.
وليس هناك رئيس للحكومة يُعلِن عن حِوار صحفي بالغ الأهمية نصف ساعة قبل إجرائه، ما لم يَكن مُتسرِعا، أو مُجبَرا على الخروج للحديث إلى الرأي العام. ونَعتقِد أنه كان مُرغَما على التواصل في آخر لحظة، بعدما أدرك أن من هَمَس له زورا بأن الصحافة الوطنية كلها معه، وسَوف تُبارِك تَعديله الحكومي، كان يَكذِب عليه وعلى المغاربة.
وبِصَرف النظر عن سياق حوار السيد رئيس الحكومة، وبغضّ الطَرف عن عدم مَشروعية استعانته بالكَتائب الإلكترونية، فإن مُحتوى الحوار كان عاديا جدا وليس في مُستوى تَطلُعات الرأي العام الوطني.
فالسيد رئيس الحكومة ادعى بأنه عَضَّد فريقه الحكومي بشخصيات سياسية مُتجذِرة في القنيطرة وألمانيا، وقَطَّعت أحذيتها في النِضال وفي حَلقِيات العمل السياسي! لكنه لم يُفسِر لنا إطلاقا كيف أصبح أمين التهراوي وزيرا للصحة، من المفروض أن يَفهم في الفحص بالصدى المغناطيسي، وهو الذي كان يتولى تدبير مَحلات الملابس الداخلية ومَساحيق التجميل عند مجموعة سلوى أخنوش.
فوزارة الصِحة مثلها مثل التعليم، ليست مُقاوَلة تَخضَع لمعايير الرِبح والخَسارة، ولا هي سُوق مُمتازة تَخضَع للماركوتينغ التجاري! والوزير الذي قَضى أكثر من شهر شارد في مَنصِب الكاتب العام لرئاسة الحكومة، لا يُمكنه أن يُطبِّق البرنامج الملكي الخاص بالحماية الصحية، خصوصا وأنه لا يَعرِف عن الشأن العام سوى ما كان يَسمَعُه في محيط الأسرة المحظوظة.
وفي الأخير، نتمنى صادقين أن يَكون رئيس الحكومة مُخلِصا وصادِقا مع المغاربة، مثلما كانوا صادِقين معه في يوم الاقتراع، وأن يَخرُج لمحاورتهم بعيدا عن تَضليلات الكتائب الإلكترونية، ولا مَساحيق التجميل التي يَفهم فيها وزير الصحة الجديد أكثر ما يَفهم في صِحة المغاربة.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*