لما كان الحي دافئا.. رومانسيات من دفاتر أستاذ عزيز فتحاوي

أفريقيا بلوس ميديا

باسم الله الرحمان الرحيم

رومانسيات من دفاتره..الحلقة السادسة عشرة

كانت بيوت حي الفتى مشرعة كمبسم غيداء هشت نواجذه ، يغشاها الصبية كنوارس السفن ، يعبون هنا ماء لري ظماء ، ويلقمون قضمة رغيف هناك لسد سغب ، وكان لما يستبد بهم الوصب والعنت يقصدون اي بيت يتمددون حصيره وشراشفه ، والنسوة يتحلقن أواني الشاي النحاسية وقت العصاري كوريقات الأكاليل لما تسكرها أنفاس السحر ، يرشفن كؤوسا يخيل اليك من انتشائهن كأنما بالطلا والراح حبلى .
ولما كانت الشمس تتلحف خمارها وترنو لخدرها كعذراء تتهادى ممتقعة من هتك الستر ، تطوق النسوة أكوام القمح تنتقي شوائبها كبلشون الحرث ويمامات الحصادين.
ولا ينسى الفتى لمات التلفزيون، هذا الجهاز البرونزي الشامخ كهالة مارد يسترق الغيبيات ، وتشخص إليه العيون وكأنما تتملى حورية تهادت من السماء ، حتى إن الأجفان تجافي وتنابي الإطباق وتسلاه.
كان هذا الجهاز السحري شحيحا كالأهلة في يوم كستنائي غائم ، حل بالحي متسللا في جنح الظلام إلى دار “الفاسية” أولا ، هذه الأخيرة التي كانت تتحاشى عيون جارات شظفت ولا ترفت ، ولا تكاد تبدي حيسا إذا يحاس ، ثم حل ثانية بدار “فاطمة الفرملية” ، ثم دار “مي هنية” .
وعند بداية الإرسال على الساعة السادسة مساء ، كان الفتى وتربه يستجدون من هذه الدور إطلالة على العجائب السريالية لهذا الجهاز الخرافي والفلكلوري ، ويكابد الفتى ليلتقط بعض صوره ليخزنها في مخياله البض ، فيقضي ليله في معاقرتها كسلافة العنب الإيطالي أو كغيد الغجر .
حينها كانت السيدة أم كلثوم في أوج وربيعيات عطائها، ودأب التلفزيون المغربي ليلة الخميس على بث سهرات هذه الأسطورة الغنائية التي تسبح بالعشاق إلى عوالم من الطيف لما تكلم الموسيقى شغاف الحشا فتنطقها بالتجلي والتملي بالحبيب الأثير الصفي . وفي هذه الليلة من الأسبوع تعج دار “فاطمة” بنسوة الحي للتهلل والتيه بهذا الصوت الملائكي ، المنسكب كالقطر لما يسح على شفاه زهرة اللافندر الأرجوانية ، وكان الفتى يدرك متعة هذه اللمة فيتعلق بتلابيب والدته دونا عن إخوته ، ويندس بينهن ، ليقينه أن هذا العرس سيأخذه إلى عوالم من قرمز كانت تغشى غفواته ، وكان يتسمر أمام هذا الجهاز فاغر الفاه ، متسع الحدقتين ينازع ويغالب أن ترف أو ترمش ، ويطمر الأنفاس في جانحته الصغيرة حذر أن يفوت هذا الشجن المنبعث كهمسات العشق الفتية ، حتى إن ملكاته الغضة كانت تصور له هذه الأطياف المتراقصة كشخوص بذواتهم يحتويهم هذا الصندوق الأسطوري ، ولماما كان يربك مخياله الفتي هذا الاحتواء اللامنطقي الذي لم يدرك كنهه إلا بعد لأي وريث.
أيقن الفتى حينئذ لما تسللت آهات السيدة أم كلثوم تخترق حناياه اللدنة فترديها كصفصف الأزاهير في نيسان ، أنه مرهف الحس رومانسيه دونا عن أقرانه وإخوته ، تفعل فيه الأناغيم والشدا كفعل الرضاب على شفاه العذارى ، وترتفع به إلى ملكوت من السحر والجمال تجافي وتنبو عن كل هذه اللمة بنسوتها.
وفي غمرة أحد الأصياف ، والفتى بين وقدة الشموس وأوامها وسعارها الذي يضفي على الكون بريقا كفوانيس رمضان ، وبهجة كالمبسم الضحوك عند موعد واله ،
تهادى إليه أنه تجاوز ست سنوات من عمره ، وأن التعليم قد أفد أوانه ، وأن حياة بأكملها قد وافت…..يتبع 

ذ.عزيز فتحاوي

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*