أفريقيا بلوس ميديا/ تحرير: محمد بنهيمة
مع اقتراب كل دخول مدرسي، يتجدد العبء الثقيل على الأسر المغربية، التي تجد نفسها بين مطرقة المصاريف الدراسية وسندان الغلاء المستمر. فبعد عطلة صيفية تفاوتت بين مغاربة قضوها خارج الوطن، وآخرين اختاروا شواطئ البلاد أو وديانها حسب القدرة والإمكانات، تعود الأسر من جديد إلى دوامة الإنفاق، في سياق اقتصادي صعب وواقع اجتماعي يزداد هشاشة.
المدارس الخصوصية، الكتب، الأدوات، النقل، والملابس… كلها تكاليف تثقل كاهل المواطن، خصوصا الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل. في المقابل، لا تزال القدرة الشرائية تتآكل أمام أعين الجميع، دون أي إجراءات جادة تحمي المواطن من الانزلاق نحو الهشاشة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع لا يترك فقط أثرا ماديا، بل نفسيا أيضا، إذ تتحول الضغوط اليومية إلى توتر، قلق، وفقدان للثقة في المؤسسات. وما يزيد من حدة الشعور باللاعدالة، هو استمرار منطق مغرب السرعتين: فئة تعيش الرفاهية بلا حدود، وأغلبية تصارع من أجل كفاف العيش.
أليس من حق المواطن أن يضمن تعليما لأبنائه دون أن يرهق؟ أليست العدالة الأجرية، والدعم الاجتماعي العادل، أساس أي استقرار حقيقي؟ إلى متى تستمر الدولة في سياسة أعطه باليمين وخذ منه باليسار؟
لقد حان الوقت لسياسات عمومية تضع المواطن في قلب الأولويات، بعيدا عن الحسابات الضيقة، لأن مغربا يتسع للجميع لا يبنى بالوعود، بل بعدالة تضمن الكرامة للجميع، إن ما تعيشه الأسر المغربية اليوم، في كل موسم دراسي، ليس فقط صراعا مع لائحة طويلة من المصاريف، بل هو صراع مع اختيارات اقتصادية غير منصفة، تُراكم الأعباء على من لا صوت لهم، وتمنح الامتيازات لفئات محظوظة في أعلى السلم الاجتماعي.
وإذا كان التعليم أحد أعمدة بناء مجتمع عادل ومتماسك، فإن ما يحدث اليوم يهدد هذا الأساس، ويجعل من المدرسة خصوصا العمومية مرآة لفشل السياسات الاجتماعية، حيث تتفاقم الفوارق وتتراجع الجودة ويُدفع المواطن البسيط نحو خيارات مكلفة، لا ترقى دوما إلى الحد الأدنى من تطلعاته.
أما المجهودات التي يتم الإعلان عنها موسميا، فلا تزال تعاني من غياب الاستمرارية، ومن ضعف التنسيق، وغياب الشجاعة في الإصلاح الحقيقي. لأن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط من بناء الحجرات أو رقمنة الأقسام، بل من تمكين الأسرة المغربية من العيش بكرامة، ومنح المتعلمين بيئة آمنة وعادلة ومتوازنة.
وفي هذا السياق، يتعين على الحكومة أن تعيد النظر بعمق في توزيع الدعم الاجتماعي، وفي إعادة هيكلة الأجور، وفي ضبط أسعار اللوازم المدرسية، وأن توقف فوضى التعليم الخصوصي، وتكف عن غض الطرف عن استنزافه للأسر.
فلا يعقل أن يبقى المواطن يؤدي الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة من صمته. الكرامة لا تجزأ، والتعليم حق، وليس امتيازا يشترى.
إن مغرب الكرامة لن يبنى بشعارات مناسباتية، بل بسياسات عادلة، تنصت للمعاناة، وتمنح الأمل لأجيال تنتظر وطنا يحتضنها، لا يرهقها، ولأن الدخول المدرسي ليس مجرد لحظة إدارية عابرة، بل محطة مصيرية في حياة ملايين الأطفال والأسر، فإن الاستمرار في التعامل معه بعقلية التدبير الموسمي لا يمكن أن ينتج سوى مزيد من التفاوت، ومزيد من الإحباط، ومزيد من الهدر في طاقات المجتمع.
الأسر المغربية اليوم لا تطلب المستحيل، بل فقط الحد الأدنى من العدالة: مدرسة عمومية محترمة، جودة تعليم حقيقية، تكلفة معيشية في المتناول، ومؤسسات تفي بوعودها. فالتعليم ليس مجرد خدمة، بل استثمار في الإنسان، ولا يمكن لوطن أن ينهض دون أن يضمن تعليما منصفا لجميع أبنائه، لا تمييز فيه بين الغني والفقير.
وختاما، لا يليق بدولة تحلم بالتقدم أن تخلف موعدها مع مدرسة الإنصاف. وإن أرادت فعلا بناء مغربٍ جديد، فعليها أن تبدأ من حيث تبدأ أحلام الصغار: من القسم، من السبورة، من الحقيبة المدرسية، ومن كرامة مواطنيها وهم يجهزون أبناءهم للمستقبل.
“فالوطن الذي لا يضمن كرامة أطفاله عند أبواب المدارس، كيف له أن يطالبهم بالولاء حين يكبرون؟”

قم بكتابة اول تعليق