كاين فرق كبير بين النقد والتهديم. لكن لما السياسة تولّي مسرحية ركيكة، والساسة يحاولوا يخبّيو فشلهم تحت قشرة كلام فارغ، يبقى للشعب — وحتى لشخصية ساخرة بحال “جبروت” — الحق في الانتقام الرمزي: فضح، سخرية، وكشف كل القشور.
عبد الإله بنكيران، اللي كان يومًا صوتًا «شعبيًا» مفترضًا، بدا اليوم كيحفر قبر مصداقيته بكلام متناقض وبوعود تتكرر بلا تطبيق. بنكيران اللي كان يضحك على النقاد، ولاّت كلماته مادة للتهكم: كيف يمكن أن يظل الرجل يتكلم بلغة السوق بينما البلد يحتاج لخطوات عملية؟ فالأفعال تقول غيرها والكلام يبقى تمرينًا في الذاكرة فقط. جبروت هنا ماشي مجرد نكتة — راه شهادة شعبية تقول: كفى واجهات، عاونوا الناس بالأفعال ولا سكتوا.
ومن الجهة الأخرى، الأمير هشام، اللي كيتسمّ بالجرأة في الخطاب والنبرة الحقوقية، ولاّ عرضه للاختبار: كلمات نبيلة على الورق، لكن أين تأثيرها الحقيقي؟ النقد البنّاء كيخص يكون مصحوبًا ببصيرة وبدعم لمشاريع تقطع مع الريع واللاتماثل. لما يكون النقد جميلًا لكن بلا نتائِج ولا تحرّك في الواقع، يتحوّل إلى موضة كلامية تخدّع النخب، وتترك المواطن في مكانه.
هنا يجي دور «جبروت» — ماشي انتقام جسدي ولا دعوة للعنف، ولكن هجوم ثقافي ولغوي: تحويل الكلمات الكبرى إلى مرآة محرّقة تُظهر الفراغ. جبروت يضحك، يسخر، ويجعل الشعب يشوف الوجه الحقيقي: السياسي اللي يغترّ بلغته، والمفكر اللي يتباهى بنقده دون أن ينتج سياسةً قابلة للتطبيق.
الانتقام اللي كنطالب به هو انتقام الحساب والشفافية. نطالب بردود فعل عملية: مصداقية في التزامات بنكيران، ومبادرات قابلة للتنفيذ من الأمير هشام، ومساءلة لكل من استغل الخطاب ليغسل يديه من المسؤولية. الانتقام هنا هو أن نُجعل الكلام يترجم إلى أفعال، وأن نعيد للمواطِن حقه في سياسة لا تُقام على البهرجة.
بلدنا محتاج لجرأة حقيقية: جرأة في المواقف، في التشريع، وفي حماية الحريات الاقتصادية والاجتماعية. السخرية مفيدة حين تكشف، لكن وحدها لا تكفي — لذلك ينبغي أن تتبعها خطوات ملموسة. جبروت قد يضحكنا اليوم، لكن الغاية ليست السخرية الدائمة، بل أن تتحوّل تلك السخرية إلى ضغوط شعبية تفرض حسابًا.
في النهاية، الشعور بـ«الانتقام» هو تعبير عن سخط مؤلم تجاه النفاق السياسي. لو كان هناك عدالة فعلية، لكان الانتقام غير ضروري. لذلك لا نريد صراخًا بلا أثر؛ نريد استرجاع الكلمة بمعناها الحقيقي: كلمة تُقدّر بمقدار فعلها، وليس بوزنها في الخطاب الإعلامي.
جبروت سيبقى يُضحك، ولكن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون للمحاسبة: على بنكيران أن يبرهن، وعلى الأمير أن يترجم، وعلى المجتمع أن يفرض رقابته بذكاء لا بانتقام أعمى. هذا هو النوع الوحيد من «الانتقام» الذي أؤمن به — انتقام يغيّر الواقع إلى الأفضل، لا يدمّره.
قم بكتابة اول تعليق