بقلم: ✍️ محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
_ مقدمة:
في زمنٍ تُقاس فيه المواجهات بالـ«نقرة»، تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع موازية، إذ لم تعد الصفحات والحسابات مجرد أدوات تواصل بل صيغٌ مُموّهة لعمليات اختراقٍ نفسية وسياسية.
ما نرصده اليوم ليس تراشقًا إعلاميًا عفويًا أو موجة غضب شعبية — بل حملةٌ منهجية منظّمة، تتضمّن شراء صفحات وحسابات محلية، وإعادة توظيفها كقنوات لبث رسائلٍ معادية تمسّ وحدة الصف ورمزية الدولة.
_ ما الذي يحدث بالضبط؟
مصدر الهجوم ليس مجرد «ناشطين متعصبين» أو مواطنين متأجّجين — بل شبكات مُنسّقة تستعمل واجهات محلية لتغليف رسائل خارجية. هذه الشبكات تتقن التكتيك التالي: شراء حسابات وصفحات ذات شرعية ظاهريّة، إنتاج محتوى مُستفزّ ومُضلّل، ثم نشره عبر ما يُسمّى «جيش إلكتروني» من حسابات وهمية وحقيقية لتعزيز الانتشار وإشاعة الانقسام. تقارير مراقبين وتحليلات صادرة عن مراكز بحثية تشير إلى تصاعد ظاهرة الحملات المنظمة التي تستهدف منحنيات الرأي العام في المنطقة.
لا نبالغ إن قلنا إن هذه العمليات لا تدار بعشوائية؛ فجهاتٌ معادية تستثمر موارد استراتيجية في «حروب الرموز» لزعزعة ثوابتنا، واستغلال كل احتكاك اجتماعي لنفوخ الفتنة.
حتى إذا كانت الأدلة المفتوحة حول حجم التمويل متباينة، فإن الحقائق القابلة للقياس — مثل حملات التلاعب، وإغلاق شبكات من قبل منصات التواصل، وتسريبات تقارير حكومية — تؤكد نمطًا منهجيًا للعمل الرقمي المموّل.
_أمثلة على التصعيد الرقمي (بدون الادعاء المطلق)
تم رصد وتفكيك شبكات تنشر محتوى مُنسّقًا يستهدف جمهورًا محليًا بقصصٍ ملفقة ومواد مُحرّفة، ما دفع بعض الوكالات الحكومية والأمنية في دول متعددة للتحقيق وطلب التعاون مع شركات التواصل.
هجمات سيبرانية ترافقت مع حملات تشويه إعلامي ضد مؤسسات وأشخاص مغاربة، وفي حالات مُعلنة ربط المحققون شرارات الهجوم بشبكات تهكّم رقمي مرتبطة بخارج الحدود.
هذه الهجمات تصل أحيانًا إلى تسريب بيانات أو تهديدات إلكترونية تهدف لخلخلة الثقة.
> ملاحظة هامة: أرقام الميزانيات التي تُتداول (مثل رقم 250 مليون دولار) تُصرّفها بعض الأطراف كـ«حكاية توجيه» — ممكن أن تكون مبالغة أو جزءًا من حملة تضليل موازية.
الصحافة المسؤولة تميز بين ما يُمكن التحقق منه وما يقع في خانة الإشاعات؛ ونحن هنا نعمل على كشف الأسلوب والهدف أكثر منه التراشق بالأرقام غير المؤكدة.
_ لماذا هذا الخطر خطير؟
لأنّه لا يهاجم مجرد مؤسسات أو رموزًا قابلة للإصلاح — بل يكمن هدفه في تآكل الثقة الرمزيّة: صور وخطابات العرش، مؤسسات السيادة، ومظاهر الوحدة الوطنية. ضربُ هذه الرموز هو ضربٌ لمناعة المجتمع ولقابليته على التماسك عند الأزمات.
كما أن هذا التكتيك يستغل الاستياء الاجتماعي الحقيقي لزرع روايات بديلة، ما يجعل كشفه واستئصاله أمرًا ذا أولوية وطنية.
_ من المستفيد؟
اللاعبون الحقيقون هم من يريدون لحظةَ ضعفٍ تظهر في المشهد المغربي — سواء لتكريس رواية معادية على مستوى المنطقة أو لابتزاز أو لتحقيق مكاسب دبلوماسية.
التقارير الدولية والمحلية المتخصّصة تؤكّد وجود «أطرافٍ خارجية» تستثمر في التأثير على الرأي العام في دول الجوار، وإن تفاوتت الأدلة في الشكل والحجم.
_ماذا يجب أن تفعل الدولة والمجتمع الآن؟ (خطة إجراءات موجزة)
1. فتح تحقيق فني وقانوني فوري ومشترك مع منصات التواصل لتحديد شبكات الشراء وإيقافها.
2. إطلاق حملة توعية وطنية تشرح أساليب التضليل رقمياً (شراء صفحات، الحسابات الوهمية، البوتات، المحتوى المُستفز).
3. دعم صحافة استقصائية مستقلة تراقب وتُنشر الأدلة دون استغلال سياسوي.
4. تعزيز قدراتنا السيبرانية والدفاعية، وتحديث تشريعات حماية البيانات والمساءلة الرقمية.
5. تعبئة المجتمع المدني والفاعلين الإعلاميين للردّ بالحقائق، ليس بالعدوانية ولكن باليقظة المهنية.
_ رسالة استفزاز موجّهة إلى المخابرات الجزائرية (صريحة — لكن بلا تهديد بالقتل أو العنف)
إلى من يظنّ أن الفضاء الرقمي حقلٌ هشّ بلا ثمن: لقد نجحتم مؤقتًا في شراء واجهاتٍ وإطلاق رواياتٍ مزيفة، لكنكم فشلتم في شراء وعي شعبٍ يعتزّ برموزه.
أيّها السادة في أروقة المخابرات — إن استخدامكم لصفحاتٍ مغلّفة واستغلالكم لسمعة مؤسسات ومواطنين مغاربة لن يبقى بلا ثمن ــــ ليس ثمنًا مادياً بالضرورة، لكن ثمنكم سيكون في نزع الشرعية عن أدواتكم، في فضح أساليبكم دوليًا، وفي أن ينعكس كل فبرَكٍ على مصداقيتكم داخليًا وخارجيًا.
نحن لن نردّ بوقاحةٍ على وقاحة، ولكن سنفضحكم، سنوثّق، وسنقدّم الأدلة إلى من يهمّهم الأمر من شركائنا الدوليين.
لا تُضيّعوا وقتكم على خداع مواطنٍ واعٍ — فقد تحوّل التضليل إلى سلاحٍ يعود على مُطلقه بالفضيحة.
_ نداءٌ للوحدة واليقظة
المعركة اليوم ليست بين بلدين فحسب، بل بين من يريد أن يبني مجتمعاتٍ واعية ومتماسكة، ومن يريد أن يُقلّق صفها ويُفكك بنيانها.
كفى استغلالًا لمنصات كانت يومًا صوتَ المواطنين. على الإعلام الوطني والمسؤولين الأمنيين والمدنِيّين أن يتّحدوا ضدّ هذه الحرب الرمزية بذكاءٍ وقانون.
الوعي أفضل سلاح، والشفافية أفضل استجابة. سنبقى يقظين، سنكشف، وسنردّ بالحقيقة — وهذه وحدها أقوى رسالةٍ يمكن أن تُوجّه إلى كلّ متآمرٍ من داخل البلاد أو من خارجها.
إمضاء: محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
قم بكتابة اول تعليق