بقلم: ✍️ محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
*بين التحريض الرقمي والتأثيرات الخارجية… كيف نحمي المغرب من خطابٍ يُحوّل النقد المشروع إلى مخططٍ لتشتيت البلاد؟*
لماذا ليست دعوات «الإسقاط» إصلاحاً، وكيف نميز بين النقد البنّاء والتحريض الذي يقود للفوضى
تمهيد
في أسابيع أخيرة، شهد الشارع الرقمي المغربي تصاعداً في الخطاب الاحتجاجي الذي يتراوح بين مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة، وبين مطالب متطرفة تدعو لتغييرات جذرية في شكل الدولة، من بينها دعوات لإسقاط المؤسسة الملكية. هذا الخطاب لا يمكن النظر إليه بمعزل عن واقع رقمي واجتماعي جديد، حيث أصبحت منصات التواصل المسرح الأول لصياغة السرد السياسي والتحريض الجماهيري. مواجهة هذا الانزلاق تتطلب تمييزاً واضحاً بين النقد البنّاء الذي يهدف للإصلاح، والتحريض الذي يسعى لإشعال الفوضى وتقويض مؤسسات الدولة.
—لماذا «الإسقاط» ليس إصلاحاً؟
الإصلاح هدف مشروع لا يمكن لأحد أن يعترض عليه، لكنه يتطلب خارطة طريق عقلانية ومؤسساتية. أما الدعوات السريعة والشاملة لإسقاط مؤسسة تاريخية ووطنية، فليست طريقة إصلاح بل سلوك ثوري سريع يفتقد بدائل واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية وتأمين مؤسسات الدولة والخدمات العامة. الخبرة التاريخية والسياسية تثبت أن أي محاولة لإسقاط مؤسسة محورية دون توافق وطني مدروس غالباً ما تفتح الباب لفترات من الفوضى والعنف السياسي.
—التحريض الرقمي: أدواته وخطورته
المنصات الرقمية تجعل من الممكن استهداف شرائح واسعة خلال دقائق: محتوى موجَّه، مقاطع قصيرة مثيرة، حسابات وهمية، وخوارزميات تُعزز المحتوى الانفعالي. في السياق المغربي، تظهر تحركات شبابية رقمية أحياناً كمشروعات احتجاجية تطالب بالعدالة الاجتماعية، لكن جزءاً من الحملات يتحوّل سريعاً إلى سرد عدائي يستهدف رموز الدولة، ويستخدم لغة الاستقطاب بدل لغة الإصلاح. إحصائيات واعدة حول استخدام الإنترنت ووسائل التواصل في المغرب توضح أن نسبة كبيرة من السكان منخرطة رقمياً، ما يجعل التأثير أسرع وأوسع.
خطران بارزان:
1. استغلال الغضب الاجتماعي — تحويل مطالب اقتصادية مشروعة إلى دعوات لتقويض الدولة.
2. شبكات ظلالية — حسابات ومجموعات مجهولة قد تكون جزءًا من حملات منسقة وليس مجرد تعبير فردي.
—أمثلة واقعية: ما الذي حدث على الأرض؟
في سبتمبر وأكتوبر 2025، برزت موجات احتجاجية يقودها شبان مرتبطون بمنصات رقمية، وقد تدهورت بعض الاحتجاجات إلى عنف أسفر عن ضحايا واعتقالات واسعة. القضايا التي أشعلت الاحتجاجات كانت في ظاهرها مطالب اجتماعية (خدمات صحية، بطالة، تردي بعض الخدمات)، لكن المشهد الرقمي أظهر أيضاً محتوىً يستهدف السرد الوطني ويُجري مزاوجة بين المطالب المحلية والدعوات لتغيير جذري في شكل الحكم، بما في ذلك «أجندات إسقاط» ظهرت في بعض المنشورات.
—أثر هذه الدعوات على الاستقرار الوطني
دعوات إسقاط مؤسسة مركزية مثل الملكية تحمل تبعات عملية ومباشرة: تعطيل مؤسسات سيادية، مخاطر على الأمن الداخلي، وتراجع ثقة المواطن في قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. إضافة إلى ذلك، أي فراغ مؤسساتي سهل الاستغلال من جهات داخلية وخارجية تسعى لتحقيق مصالحها عبر نفوذ سياسي أو اقتصادي. تحليل الخبراء يشير إلى أن التوازن الوطني هش أمام مخاطبات رقمية قوية غير المنضبطة.
—كيف نفرق بين النقد المشروع والتحريض؟
1. النقد البنّاء: يحدد مشكلات محددة، يقترح حلولاً عملية، ويعمل في إطار القوانين والمؤسسات.
2. التحريض: يستخدم لغة التعميمات، يدعو للعنف أو الانفصال أو إسقاط رموز الدولة دون بدائل ملموسة، ويستند إلى معلومات غير موثوقة أو مفبركة.
المطلوب من المواطن والمثقفين والصحافة هو الحفاظ على مساحة النقد الحرّة، وفي الوقت نفسه فضح الحملات المضلِّلة والتصدي لها بالحقائق والشرح المؤسسي.
—اقتباسات توضيحية (أمثلة يمكن نشرها كـ«تعليقات توضيحية»)
> «النقد واجب وطني، لكن دعوات الإلغاء الشاملة للمؤسسات ليست طريق الإصلاح — إنها طريق المجهول». — تعليق توضيحي لخبير سياسي. «التعامل مع الغضب الاجتماعي يبدأ بتلبية المطالب الأساسية: خدمات، تعليم، فرص عمل — وليس بتفكيك مؤسسات الدولة». — تعليق توضيحي لمحلل اجتماعي.
—ما الذي يجب أن تفعله المؤسسات والمجتمع؟
1. التواصل الشفاف: على الحكومة والسلطات المحلية تقديم معلومات واضحة ومحدثة حول الإجراءات والإصلاحات الملموسة.
2. حملات توعية رقمية: تكثيف المحتوى الرقمي الذي يشرح الحقائق ويكشف التضليل، مع تدريب الشباب على مهارات التحقق من المعلومة.
3. قنوات للتظلم الإصلاحي: فتح مساحات حقيقية للاستماع لمطالب الشباب والعمل على حلول سريعة قابلة للقياس، خصوصاً في التعليم والتشغيل والرعاية الصحية.
4. مراقبة الحملات المنسقة: رصد الحسابات والمؤسسات التي تُروّج للتحريض، وتطبيق القانون على من يخرقونه دون المساس بحرية التعبير المشروعة.
—مخاطر عدم المواجهة
التقاعس عن المواجهة النوعية لتلك الدعوات قد يؤدي إلى: فوضى مؤسساتية، استغلال خارجي للصراع الداخلي، وتفكك السرد الوطني الموحد. هذه تداعيات لا تدفع فقط ثمنها الأجيال الحالية، بل تؤثر على قدرة الدولة على حماية مصالحها الإقليمية والدولية.
—الإصلاح للحفاظ على الوطن، لا الإلغاء لتدميره
المغاربة لديهم تاريخ طويل من المطالبة بالعدل والإصلاح. لكن إصلاح الوطن يبدأ من مسؤولية فردية وجماعية: التمييز بين النقد البنّاء والتحريض، المشاركة في الحلول، ومواجهة الحملات التي تريد تحويل الاستياء المشروع إلى تحطيم مؤسسات. دعوات إسقاط الملكية ليست طريق حلّ، بل مفتاح لمتاهة خسارة مستقرة قد تكلف الوطن ثمناً باهظاً. المطلوب اليوم هو وعي موحَّد، عمل مؤسسي جدي، وإدارة ذكية للفضاء الرقمي والاجتماعي لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.
إمضاء: محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
قم بكتابة اول تعليق