—
بقلم: هيئة التحرير – أجي تشوف لايف ميديا
أمن وطني، سياسات الدولة، حقوق الموظفين
لنبدأ من حيث يهرب الجميع: هناك نفاق جماعي في التعامل مع الأمن. الجميع يريد شارعاً آمناً، وحدوداً محمية، ودولة لا تهتز، لكن حين يصل الحديث إلى رجل وامرأة الأمن، فجأة يصبح الإنصاف “مبالغة”، والتحفيز “ترفاً”، والدعم الاجتماعي “غير ضروري”. هنا بالضبط تبدأ الكذبة، وهنا يُبنى خطاب مزدوج يطالب بالأمن الكامل، لكنه يرفض دفع كلفته البشرية.
قرار عبد اللطيف حموشي بصرف منحة مالية استثنائية لسنة 2025 لفائدة موظفات وموظفي الأمن الوطني لم يكن قراراً لطيفاً ولا التفافاً لغوياً، بل ضربة مباشرة في صميم هذا النفاق. لأنه قال، بالفعل لا بالشعارات، حقيقة بسيطة يتهرب منها كثيرون: الأمن يُكلّف، ومن لا يعجبه ذلك فليكن صريحاً مع نفسه، بدل الاختباء خلف مفردات “الواجب” و”التجرد” و”الوطنية” حين يكون الحديث عن حقوق من يسهرون على أمن الجميع.
لسنوات طويلة، جرى التعامل مع المؤسسة الأمنية بمنطق خطير ومُنهك: اعملوا أكثر، اصمتوا أكثر، تحمّلوا أكثر، وارضوا بالقليل. وحين تُطرح مسألة الإنصاف، يُشهر في وجهها خطاب أخلاقي مزيّف، كأن الاعتراف بالحقوق الاجتماعية يتناقض مع الانضباط، أو كأن التحفيز يُضعف المهنية. والحقيقة التي يرفض البعض ابتلاعها هي أن الواجب لا يلغي الحق، وأن الوطنية لا تُلغي الكرامة الاجتماعية.
رجال ونساء الأمن ليسوا آلات تُدار بالأوامر فقط، ولا أرقاماً في جداول المناوبة، ولا تفصيلاً هامشياً في نقاشات الصالونات السياسية والحقوقية. هم بشر يعملون تحت ضغط دائم، وفي مواجهة مخاطر حقيقية، وبتكلفة نفسية واجتماعية يدفعونها بصمت، بينما يكتفي آخرون بالتنظير من مسافة آمنة، وبأثمان شخصية صفرية.
منحة 2025 جاءت لتقلب الطاولة على هذا المنطق المريض، لا لتُرقّعه. جاءت لتقول إن الدولة التي تحترم نفسها لا تبني أمنها على إنهاك من يحميها، ولا تشتري الاستقرار بثمن بخس. وما يزعج كثيرين في هذا القرار ليس قيمته المالية، بل رمزيته السياسية: أنه يكرّس فكرة غير مريحة للبعض، مفادها أن الدولة ليست مضطرة لتبرير إنصاف مؤسساتها السيادية، ولا للاعتذار عن دعم من يصنعون الاستقرار على الأرض.
المنحة شاملة، بلا تمييز، بلا اصطفاف، وبلا حسابات ضيقة، وهذا بالضبط ما يجعلها كاشفة. كاشفة لفقر الخيال الاجتماعي في قطاعات أخرى ما زالت تؤمن بمنطق الاستنزاف، وكاشفة لخطاب يطالب بالأمن “النظيف” و”الجاهز”، لكنه يتهرب من تحمّل كلفته البشرية والإنسانية.
فلنكن أكثر صراحة: من يزعجه تحفيز رجال الأمن لا يزعجه المال، بل يزعجه أن تكون الدولة حازمة في خياراتها، واضحة في أولوياتها، وغير مستعدة لمجاملة الخطابات الرمادية. من يريد أمناً قوياً ورخيصاً يريد في الحقيقة وهماً، ومن يرفض الاعتراف بتضحيات رجال الأمن عليه أن يشرح للناس كيف تُصنع الدول بدون من يحرسها، وكيف يُحفظ الاستقرار بلا بشر يتحمّلون ثمنه اليومي.
منحة حموشي ليست نهاية القصة، بل بدايتها. إنها بداية تصفية حساب مع خطاب مزدوج يريد دولة قوية في الشعارات، لكنه يفرغها من عمودها الفقري عند أول اختبار. الدولة لا تُدار بالعواطف، ولا بالأوهام، ولا بالنفاق. تُدار بالقرارات. وهذا القرار، مهما حاول البعض التقليل من شأنه، كان قراراً كاسراً.
—
إمضاء: محمد بنهيمة
جميع الحقوق محفوظة © ChoufLive.net
CHOUF LIVE

قم بكتابة اول تعليق