—بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس – شراكة نشر: Live Presse Maroc
رأي تحليلي / إعلام رياضي
لم يعد الجدل الدائر حول بعض الأصوات في الإعلام الرياضي مجرد نقاش عابر حول “أسلوب تعليق” أو “حدة رأي”، بل بات قضية مهنية بامتياز، تفرض طرح أسئلة ثقيلة حول حدود التعليق الرياضي، ومسؤولية الخط التحريري، واستخدام المنصات الإعلامية في تصفية حسابات إقليمية.
في هذا السياق، يبرز اسم المعلّق الجزائري حفيظ الدراجي بوصفه حالة متكررة، لا بسبب اختلاف وجهات النظر، بل بسبب نمط ثابت من الخطاب يستهدف المغرب بشكل مباشر أو موارب، ويُمرَّر على المشاهد في صيغة “ملاحظات تقنية”، بينما يحمل في عمقه رسائل تشكيك وتقليل ممنهج.
خلال أكثر من مباراة، كرر الدراجي توصيف الحضور الجماهيري بـ“الضعيف”، ليس كمعطى قابل للنقاش، بل كخلاصة جاهزة تُقدَّم للرأي العام، متجاهلًا السياق الزمني للمباريات، وتوزيع التذاكر، والإكراهات التنظيمية، وحتى المقارنة العادلة مع بطولات سابقة أُقيمت في دول أخرى ولم تحظَ بالحد الأدنى من النقد نفسه.
الأخطر من ذلك، أن التعليق تجاوز مربعه الطبيعي، ليدخل في ملفات لا علاقة لها بوظيفة المعلّق: التذاكر، قرارات الاتحاد الإفريقي، سلوك الجماهير، بل وحتى التشكيك في استقلالية “الكاف”، في خطاب ينزلق من التحليل الرياضي إلى الإيحاء السياسي، ويحوّل الميكروفون إلى منصة توجيه لا نقل.
هذا التراكم لا يمكن عزله عن السياق الأوسع. فقطر، التي تسعى إلى الحفاظ على موقعها كفاعل مركزي في تنظيم التظاهرات الرياضية بالمنطقة، تواجه منذ سنوات انتقادات موثقة: ملاعب لم تصمد أمام أول اختبار مناخي، وجدلاً واسعًا حول ملء المدرجات بجماهير مستوردة، وهي وقائع ما تزال حاضرة في الذاكرة الإعلامية الدولية.
وفي المقابل، يبرز المغرب اليوم كنموذج تنظيمي معترف به قاريًا ودوليًا، وهو ما يجعل الصراع على الصورة أمرًا واقعًا، لا افتراضًا.
ضمن هذا الإطار، يرى متابعون أن التقليل من نجاح التظاهرات المقامة بالمغرب، عبر أصوات معروفة بعدائها السياسي أو الإعلامي للمملكة، لا يمكن اعتباره صدفة مهنية. بل هو جزء من سردية مضادة تُبنى بهدوء: بطولة باهتة، تنظيم مرتبك، جماهير غائبة… وهي سردية تُمرَّر دون أن تتحمل القنوات الراعية كلفتها مباشرة.
وتتعزز هذه القراءة بقرارات تحريرية مثيرة للاستغراب. ففي الوقت الذي احترمت فيه القناة نفسها العُرف المتبع، وعيّنت معلقين من نفس جنسية المنتخبات المعنية (مصر، تونس)، جرى كسر هذا العرف عندما تعلق الأمر بالمنتخب المغربي، رغم توفر أسماء مغربية معروفة بالكفاءة والخبرة. قرار لا يمكن فصله عن سياقه، ولا تبريره بمنطق الصدفة.
المفارقة اللافتة أن هذا الاستهداف الإعلامي يأتي في وقت يواصل فيه المغرب تقديم دعم أمني وتنظيمي فعلي لإنجاح تظاهرات رياضية كبرى في المنطقة، في إطار تعاون إقليمي واضح، بعيد عن منطق الإقصاء أو الهيمنة. وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول جدوى هذا السلوك الإعلامي، ومن يخدم فعليًا.
لا يتعلق الأمر هنا برفض النقد، ولا بالمطالبة بإعلام مُطبِّل. فالنقد جزء من العمل الصحفي، بل شرطه الأساسي. لكن حين يتحول النقد إلى انتقائية، ويتحول التحليل إلى تلميح، ويتحول التعليق إلى توجيه، فإننا نكون أمام انزلاق مهني واضح، تتحمل مسؤوليته الأصوات التي تمارسه، كما تتحملها المؤسسات التي توفر له المنصة والحماية.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل ما نشهده هو اجتهاد فردي خرج عن السيطرة؟ أم تعبير عن خط تحريري واعٍ، قرر أن يجعل من الرياضة واجهة لصراع أوسع من المستطيل الأخضر؟ سؤال لا يهم المغرب وحده، بل يهم مستقبل الإعلام الرياضي في المنطقة، ومصداقيته، وحدوده.
قم بكتابة اول تعليق