—
بقلم: هيئة التحرير__أجي تشوف لايف_ شراكة نشر: Live Presse Maroc
سياسة / حقوق الإنسان
بهذا المعنى القوي، وبهذا النفس السيادي الواضح، يمكن قراءة دلالات التصريح النادر للمستشار الملكي فؤاد علي الهمة، الذي أعاد النقاش حول حقوق الإنسان في المغرب إلى سكته الحقيقية، بعيدًا عن لغة المجاملة ومنطق الانتظار. فالمغرب، كما يشتغل اليوم، لا يطلب شهادة حسن سلوك من أحد، ولا يتحرّك تحت ضغط التقارير أو الإملاءات، بل يبني مساره الحقوقي بثقة في الذات، ووفق رؤية ملكية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تجعل من حقوق الإنسان مشروع دولة لا ورقة ابتزاز.
لم يكن هذا المسار وليد الصدفة، ولا نتيجة ظرفية سياسية عابرة، بل تشكّل عبر سيرورة طويلة ارتكزت على ترسيخ منطق المؤسسات وتأهيل المنظومة الحقوقية بمختلف أجيالها، مسار جعل من المملكة فاعلًا لا تابعًا، وصاحب رؤية لا ساحة اختبار، واليوم، يشتغل المغرب بثقة واضحة في النفس، وبهامش سيادي متقدم، تحت قيادة جلالة الملك، الذي جعل من حقوق الإنسان ورشًا استراتيجيًا دائمًا، لا ملفًا موسميًا. وبعد مرحلة ترسيخ الحقوق الفردية، انتقل المغرب، عن وعي واختيار، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتعلق بحقوق الجماعات، في خطوة أربكت دعاة الوصاية وأسقطت منطق الانتظار.
وفي قلب هذا التحول، يكتسي تصريح المستشار الملكي فؤاد علي الهمة أهمية خاصة، ليس فقط لندرة ظهوره الإعلامي، بل لحمولته السياسية والحقوقية الواضحة، فقد وضع النقاش الحقوقي في إطاره الحقيقي، مؤكدًا أن المغرب لا يتحرك تحت الضغط، ولا يشتغل بمنطق ردّ الفعل، بل يبادر ويستبق ويصوغ نموذجه الحقوقي انطلاقًا من واقعه وتاريخه وخياراته السيادية، رسالة واضحة لمن يظن أن المغرب ما زال ساحة اختبار أو تحت رحمة تقييمات خارجية.
غير أن هذا التحول النوعي، كما جرى التنبيه إليه منذ ديسمبر 2016، وأُعيد التأكيد عليه في خطاب العرش الأخير، كشف عن تحدٍّ لا يمكن تجاهله، يتمثل في أن التأهيل الذي أُنجز خلال السنوات الماضية لم يعد كافيًا لمواجهة رهانات المرحلة المقبلة، فحقوق الجماعات ليست امتدادًا تقنيًا لحقوق الأفراد، بل تحوّل عميق في المفاهيم، وفي طرق التدبير، وفي نوعية الكفاءات المطلوبة، وهنا تتجلى جرأة الطرح الذي حمله الهمة، حين شدّد على أن المرحلة المقبلة لا يمكن أن تُدار بنفس العقليات ولا بنفس الأدوات، وأن الاستمرار في منطق التأهيل الكلاسيكي لن يؤدي إلا إلى إفراغ هذا الورش من مضمونه.
المغرب اليوم مطالب ببناء رأسمال بشري حقوقي جديد، قادر على استيعاب التحولات الدولية دون الانزلاق إلى منطق الاستنساخ أو التبعية، إننا أمام انتقال حقيقي من حقوق الفرد إلى حقوق الجماعة، ومن منطق الدفاع إلى منطق المبادرة، ومن التعاطي مع حقوق الإنسان كملف تقني إلى اعتباره مشروع دولة متكامل، انتقال يزعج أطرافًا كثيرة، لأنه يُسقط خطاب الوصاية، ويؤكد أن المغرب لم يعد ينتظر الإذن ليحدد مساره.
هو رهان ثقيل، لكنه رهان اختار المغرب خوضه بوضوح وثقة، بقيادة ملكية تستشرف المستقبل ولا تنتظر أحدًا، وبنخبة سياسية وحقوقية مدعوة اليوم إلى الارتقاء بهذا الورش إلى مستوى اللحظة التاريخية، وهكذا، يرسل المستشار الملكي فؤاد علي الهمة رسالة قوية، مفادها أن حقوق الإنسان في المغرب لم تعد ورقة ضغط، ولا مجالًا للتدخل الخارجي، بل مشروع دولة يُبنى وفق رؤية سيادية، ووطنية، واستراتيجية واضحة.
قم بكتابة اول تعليق