هشام جيراندو… حين يتحول الصراخ من كندا إلى تجارة في الوهم والابتزاز

✍️بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة

لم يعد خافياً على أحد أن بعض الأصوات التي تصدح عبر منصات التواصل الاجتماعي من خارج الوطن، لا تحمل همّ الحقيقة ولا تدافع عن قضايا الناس بقدر ما تتغذى على الإثارة وصناعة الضجيج. وفي مقدمة هذه الظاهرة يبرز اسم هشام جيراندو، الذي جعل من مهاجمة مؤسسات بلده ورموزه مادة يومية لبث الفيديوهات واستدرار المتابعات، حتى تحوّل خطابه لدى كثيرين إلى نموذج للابتزاز الإعلامي المقنّع.

فمن يتتبع خرجات جيراندو يلاحظ سريعاً أن الرجل يعيش على إيقاع التناقض الصارخ: يتحدث باسم الشجاعة وهو بعيد آلاف الكيلومترات عن أرض الوطن، ويقدم نفسه مدافعاً عن الحقيقة بينما لا يتردد في ترويج الاتهامات والقصص المثيرة دون دليل واضح أو مسؤولية أخلاقية. إنها مفارقة تكشف أن ما يقدَّم على أنه “نضال رقمي” ليس في كثير من الأحيان سوى محاولة لخلق بطولة وهمية أمام كاميرا الهاتف.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الذي يقدمه هذا اليوتيوبر لا يقوم على النقد المسؤول أو التحليل الرصين، بل يعتمد على لغة السبّ والتحقير والتشويه، وهي لغة لا تمت بصلة للعمل الإعلامي المهني. فالصحافة، حتى عندما تكون ناقدة أو معارضة، تظل محكومة بحدود المصداقية واحترام الأشخاص والمؤسسات. أما حين يتحول الكلام إلى سوق للمزايدات والاتهامات المجانية، فإننا نكون أمام ممارسة بعيدة كل البعد عن أخلاقيات المهنة.

ولعل ما يثير السخرية في تجربة جيراندو أنه يقدم نفسه كصاحب أسرار وكاشف للحقائق، بينما يتغير خطابه وتحالفاته بشكل يفضح حجم الارتباك الذي يعيشه. فالرجل الذي يهاجم اليوم قد يمدح غداً، والذي يتهم أشخاصاً بالخيانة قد يعود ليتقرب منهم أو من محيطهم متى اقتضت مصلحته ذلك. إنها لعبة مكشوفة لا تحتاج إلى كثير من التحليل لفهمها: صناعة عدو اليوم لجذب الانتباه، ثم البحث عن خصم جديد عندما تخفت الأضواء.

كما أن استغلال قضايا الناس ومعاناتهم لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أصبح جزءاً من هذا الأسلوب. فبدلاً من تقديم معلومات موثوقة أو تحقيقات موثقة، يتم اللجوء إلى الإثارة والتهويل، لأن الصدمة – في عالم المنصات – أسرع انتشاراً من الحقيقة. لكن التاريخ الإعلامي يعلمنا أن الضجيج قد يجلب الأضواء لفترة قصيرة، لكنه لا يصنع مصداقية ولا يبني سمعة طويلة الأمد.

إن كثيراً من المتابعين باتوا يدركون أن بعض صناع المحتوى يعيشون على اقتصاد الفضائح: كلما ارتفع منسوب الاتهامات والشتائم ارتفعت المشاهدات، وكلما اشتدت الحدة في الخطاب زادت التعليقات والمشاركات. وهكذا تتحول المنصات إلى مسرح للصراخ لا للنقاش، ويصبح الجمهور وقوداً لمعركة لا علاقة لها بالحقيقة.

وفي حالة هشام جيراندو، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: خطاب هجومي دائم، اتهامات بالجملة، ومحاولات مستمرة لتقديم نفسه كضحية أو بطل في الوقت نفسه. غير أن هذا الأسلوب لم يعد يقنع الكثيرين، لأن المغاربة – داخل الوطن وخارجه – أصبحوا أكثر قدرة على التمييز بين النقد المسؤول وبين الاستعراض الإعلامي.

إن النقد حق مشروع في أي مجتمع، بل هو ضرورة لصحة الحياة العامة. لكن هذا الحق يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة للتشهير أو الابتزاز أو تصفية الحسابات الشخصية. فالكلمة، عندما تُستعمل بلا ضوابط، قد تتحول من أداة تنوير إلى وسيلة تضليل.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين: هل ما يقدمه هشام جيراندو هو فعلاً دفاع عن الحقيقة، أم مجرد عرض إعلامي يقوم على الإثارة والصدام؟

الإجابة قد تختلف من شخص لآخر، لكن المؤكد أن الزمن وحده كفيل بفرز الأصوات الصادقة من تلك التي تعيش على الضجيج.

ففي عالم الإعلام، قد يعلو الصوت المرتفع لبعض الوقت… لكن الحقيقة، في النهاية، لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمَع.

✍️إمضاء: محمد بنهيمة_مدير الموقع بالنيابة

جميع الحقوق محفوظة ©__أجي تشوف لايف

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*