الصحافة والطفيلية

أفريقيا بلوس

من الأمور التي يجهلها سائر من كتب عن الصحافة وتاريخها أنها مدينة إلى حد كبير لهذه الفصيلة الفاضلة من الناس وهم المصورون الطفيليون. لا اقصد هنا الصحافيين الطفيليين بل المراسلون والمصورون، ففي عالم الصحافة يعتبر التطفل والطفيلية من عناصرها المألوفة التي لا تستحق حتى الإشارة إليها. ما أقصده هم الطفيليون المحترفون الذين يترصدون للولائم والمآتم والحفلات بهمة وكفاءة. ما زلت أتذكرهم في مقاهي البيضاء يبحثون في الفايسبوك ويسرعون فورا إلى تقليبه إلى صفحة الوفيات والأعراس. اكتسبوا خبرة واسعة في معرفة المآتم والولائم. من من الناس يقدمون لحم الخروف في كل أكلة. ومن من الأحياء اشتهر بنساء يجدن طبخ اللحم المحمر. من يطبخن بالزيت النباتي المستورد ومن يطبخن بزيت الزيتون الحر الخالص. يجلس هؤلاء الطفيليون المحترفون، يتبادلون الآراء والخبرات ثم يقررون في اي مجلس فاتحة سيتعشون في ذلك اليوم.
الفايسبوك في نشوئه وازدهاره لهؤلاء السادة. فما الفائدة من القراءة والكتابة لو لم تدل الناس على الولائم وأماكنها ومواعيدها؟
طفيلي اليوم رجل متطور يتابع ما يرد في الصحافة ووسائل الإعلام ويميز بين الجنائز الولائم ومأكولاتها، بل وحتى أنواع الأملاح والبهارات المستعملة فيها. وله في دولابه سائر البدلات المناسبة لكل حدث. اذا كانت الوليمة عن جنازة تراه يخرج بدلته الداكنة ويشد ربطته السوداء ويلتف بعباءة محترمة وقورة ويحمل معه آلة تصوير ومحفظة أحيانا تكون فيها قارورة من النبيذ الأحمر وسكين من الحجم الكبير .وهو من ذوي السوابق العدلية في اهانة (…).

أما إذا كانت المناسبة فرحا، فيخرج من الدولاب أزهى البنطلونات وآخر صرعات الأحذية المصنوعة في الحي الصناعي عين السبع. وفي مناسبات الطهور تراه يأخذ معه مجموعة من الزمارات يزمر بها لأولاد صاحب الوليمة ويخفف عنهم البلاء.

يجب منع صحافة الوفيات. لم تعد هناك أي حاجة لتغطية الوفيات. ففي مدينتنا لا شيء يهم الناس كالموت. المؤسف في الأمر أن الطفيليين أهملوا تنظيم أنفسهم في نقابات محترمة تدافع عن حقوقهم وتعطيهم تأمينا صحيا ضد نتائج التخمة والقرحة والبدانة والتسمم بالأكل.
أما وقد أخذت روح الانفتاح والدمقرطة تجتاح بعض المواقع الالكترونية فإنني ممن يرون إن من أهم الإصلاحات الضرورية لدنيا الصحافة الصفراء وخاصة المواقع المتخصصة في نشر الخزعبلات عبر اللايفات والفيديوهات ورفع مستوى أشباه المصورين الصحافيين إعادة بعث حقول الوفيات وأعمدة الأفراح والأعراس ليكثر عدد القراء وتزداد المشاهدة، على أن تخصص صفحات كاملة عن هذه الولائم باسم «صفحة الطفيلية» و«أين تأكل هذا المساء؟» مع كل ما يمكن من التفاصيل عن أنواع الأكل الذي سيقدم وموجز من سيرة الطبابيخ القائمين بها وكيفية الوصول إلى أماكنها. فلا فائدة من عشاء إذا كان عليك أن تأخذ سيارة أجرة للوصول إليه فيكلفك أكثر من الأكل في مطعم. المهم أن يتذكر رئيس التحرير وصاحب الجريدة أن الطفيلية مهنة تراثية والطفيليين يشكلون أهم شريحة اقتصادية.
وعوض أن يعترف هؤلاء بأنهم متطفلون على هذا الميدان، لبسوا أحسن ما عندهم من ثياب، واختاروا ربطة عنق ومحفظة، وأتوا ليعلموا الناس الصحافة الإلكترونية في حين أن أكثرهم لا يملك من صفة صحفي سوى ما يتخيله دماغه.
ولا أدري كيف يفهمون في الصحافة إن كان الكثير منهم لا يعرف حتى الفرق بين الربورتاج والتقرير والتحقيق والعمود الصحفي..
فبحثوا عن جنازة رجل رحمه الله من اجل الشهرة، فلم يجدوا غير موقع إخباري لا يكلفهم الكثير من التعب وتم نقل ولصق خبر في هذه المواقع، فصار الأمر شبيها بتلك الرسائل النصية التي تصلنا في أيام الأعياد، والتي تحمل نفس الأخطاء الإملائية، لأنه ببساطة، هذه الموقع لا يبحث حتى عن قراءة الخبر، وإنما عن ملأ الموقع ما أمكن، والحديث للناس على أنه يتم تحديثه بصفة مستمرة.
الرجاء ترك مهنة المتاعب لمن يستحق دخول غمارها.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*