أفريقيا بلوس / متابعة : محمد بنهمى
أمنيون ورجال أعمال وفنانون ومثقفون.. ضحايا الإشاعة المغرضة
الإشاعة ظاهرة اجتماعية قديمة، عمرها من عمر التواصل الاجتماعي حتى في أقدم أشكاله، ويستمر انتشارها وتأثيرها في عصر التقنية الفائقة غير عابئة بما أنجزه البشر من علم وثقافة وتقدم. ومن بيئاتها اليومية المثلى الأوقات التي نقضيها مع الزملاء في مكاتب العمل ومع الأصدقاء والمعارف في المجالس والمقاهي حيث نتسقط أخبار المجتمع والناس والأحداث.
وبحسب علم الاجتماع، نملك جميعا نزعة نقل الأخبار السلبية أكثر من الإيجابية. وفي هذا الصدد نقول : “لدينا ميل إلى إعطاء وزن للمعلومات السلبية أكثر من الإيجابية، ولهذا مغزى تاريخي من ناحية تطورية. فمنطقيا كان علينا أن نعرف كيف نتجنب “نمرا” في الغابة أكثر من أن نعرف أين يوجد حقل من الزهور الجميلة. طبعا معظمنا لا يخاف الآن من النمور لكننا نجزع مثلا من التسريح من العمل، لذلك نرمي الإشاعات يمينا وشمالا لمعرفة ماذا يجري”.
وفي دراسة أخرى أجراها علم النفس عن سبب تفشي المعلومات الكاذبة وسرعة انتشارها في غضون ثوان معدودة حول العالم. نستنتج أن دماغنا يستهلك طاقة اقل للتصديق عندما يكون البيان كاذبا. وهذا يعني إما نحن كسولون وإما أن أدمغتنا كسولة او كليهما. فإيجاد الحقيقة يتطلب وقتا وجهدا، ونحن لا نملك أيا منها.
ففي ظل غياب مصادر للمعلومة موثوق بها، يميل الناس إلى التقاط الأخبار من أفواه الكذابين والأفاكين، ويعملون على تمطيط الخبر وتحويره، وفق أهوائهم الشخصية، ووفق مصالحهم الفردية أو الفئوية. وكثيرا ما يجد الناس في الإشاعة متنفسا يعبرون من خلاله عن رغبتهم في إحداث تغيير شامل.
تستهدف الشائعات أمورا كثيرة، لذلك يمكن تسميتها بـ “الحرب المعنوية والنفسية”، وتكمن خطورتها أنها تستخدم ضد أشخاصٍ وأفراد معينين فتجذبهم إليها ليصبحوا أدوات لانتشارها دون أن يدركوا مدى خطورتها. ويمكن تلخيص أهداف الشائعات كالآتي: إضعاف الروح المعنوية للمجتمع، وإشغال الفكر الإنساني أو تعطيله عن التعامل مع حقائق الأمور، وذلك بالتفاعل مع الشائعات وتصديقها والترويج لها. إضافة إلى زرع الريبة والشك في نفوس أفراد المجتمع الواحد، مع التشكيك في رموز وقيادات المجتمع والسعي لزعزعة الثقة بين فئات المجتمع المتعايشة. كما أنها تهدف إلى زرع الفتنة وبث الفرقة وتعميق الفجوة بين مكونات المجتمع، ونشر القلق والخوف في نفوس الناس. وتنتشر الشائعات وينشط مروجوها في أوقات توقع الخطر، وهي أوقات القلاقل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية لأن الناس يتوقعون كل شيء خلال هذه الأوقات، وهذا هو سبب انتشار الشائعة لأن الناس في هذا الوقت عندما يسمعون أية معلومة يتناقلونها فيما بينهم دون التحقق من صحتها.
لا أحد ينكر أن للشائعة آثار نفسية وحسية بالغة، وهي بمقدورها القضاء على مجتمع كامل إذا لم تواجه بطريقة فاعلة وواعية. وتزداد خطورتها إذا كانت هناك جهة أو (جهات) تروج لهذه الشائعة بغرض تحقيق أهدافها ومبتغاها وما أكثرهم في مجتمعنا.
وللقضاء على الإشاعة، نقترح أن يكون الدواء من أصل الداء، أي أن يتم انتهاج الرد الفوري على الإشاعة، وتقديم الأدلة والإثباتات على عدم مصداقيتها.
وفي هذا السياق تمكنت الوحدة المكلفة بمكافحة الجريمة المعلوماتية بفرقة الشرطة القضائية ببنسليمان من رصد منشور عبر إحدى المجموعات الفايسبوكية المحلية، يتضمن وقائع و ادعاءات كاذبة ماسة بالحياة الخاصة للأشخاص و بهيئة ينظمها القانون، و يتلخص فحوى المنشور في ادعاء صاحبه كون احد الشرطيين قد قتل من قبل ابنه بواسطة رصاصة.
وتمكنت الأبحاث المكثفة التقنية و الميدانية من تحديد هوية صاحب المنشور، و تموقعه الجغرافي، لتكلل هذه الأبحاث بإيقاف المعني من قبل ذات الوحدة.
وما الحملة الممنهجة والمدروسة التي حاول بعض ذوي النيات السيئة من خلالها تلطيخ سمعة مصطفى التراب، مدير مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، عبر نشر مقطع فيديو للراقصة “مايا” داخل يخت سياحي منسوب لمصطفى التراب إلا محاولة للإساءة لمؤسسة اقتصادية إستراتيجية تعد قلب المغرب النابض.
هذا دون الحديث عن فيديوها النصاب نبيل الشعيبي التي حاول من خلالها الإساءة للمؤسسات الأمنية ولبعض رجالها الأوفياء للواجب الوطني، ولبعض رجال الأعمال الناجحين في معاملاتهم التجارية والمشهود لهم بنزاهتم في معاملاتهم التجارية وطنيا ودوليا، حيث عمل النصاب نبيل الشعيبي، ومن يقف خلفه ممارسة عملياته الابتزازية الدنيئة مستعملا شتى الوسائل لتحقيق نواها الإجرامية الخبيثة، لكن المديرية العامة للأمن الوطني كانت حكيمة في تعاملها مع فيديوهات النصاب نبيل الشعيبي.
ويا للأسف نشرت إحدى الجرائد خبرا زائفا لا أساس له من الصحة حول اعتقال رئيس الشرطة القضائية السابق بالمحمدية الذي أحيل على التقاعد، على خلفية ارتباطه بملف نائب وكيل الملك السابق بالمحمدية وبعد اتصال بالمعني بالأمر نفى جملة وتفصيلا ما ورد في الجريدة التي نشرت الخبر، وأكد أنه لم يتم استدعاؤه أو الاستماع إليه مثل هذه الجرائد تسوق قبل أن تتأكد.
وهناك موقع الكتروني آخر نشر خبرا مفاده خضوع سعيد العلوة، والي أمن مراكش، للحجر في بيته، في حين أن والي أمن مراكش، يتمتع بصحة جيدة ويمارس مهامه اليومية بشكل عادي، سواء من داخل مكتبه أو من خارجه حسب ما تقتضيه مهامه ومسؤولياته. والأدهى والأمر أن بعض المواقع تسوق قبل أن تتأكد تبحث عن السبق الصحفي المزيف المبني على المغالطات.
إشاعة واحدة عن نفاد سلعةٍ من السلع أو نوعٍ من الأدوية في لحظات الأزمات كفيلةٌ بتهافت الناس بأعداد مهولة للحصول على تلك السلعة أو ذلك الدواء ما يجعله ينفد بسرعةٍ كبيرةٍ، وفي الغالب من دون حاجةٍ حقيقيةٍ لدى الأفراد إلا مجرد الخوف من انقطاعه، وهو ما يسبب ذعراً اجتماعياً جماعياً يؤدي إلى عدم التوازن في الحصول على البضاعة المطلوبة أو الدواء المهم.
لهذا نشدد على الدور الكبير لوسائل الإعلام في إيضاح المعلومات وإيصالها بالشكل الصحيح، و نقول كفى من تلفيق التهم الباطلة وتلطيخ وتشويه سمعة الأشخاص الأوفياء المشهود لهم بالنزاهة رجاء المطلوب من بعض المواقع الالكترونية ورواد شبكات التواصل الاجتماعي أن تتسلحوا بالحكمة لأن القانون لا يرحم المغفلين، وأن لا تخلطوا الحابل بالنابل وتكونوا على ما فعلتم نادمين، الإعلام رسالة نبيلة فلا داعي في النبش في أعراض الناس، وتشتيت الأسر أو الإساءة للأشخاص المعنويين أو الذاتيين، فالله خلق الإنسان وكرّمه وسخّر له الحياة الكريمة قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [سورة الإسراء]، فيأتي الظالم ويهدم ويفسد كل ذلك في دقائق معدودة بتشويهه للسمعة فتسري بين الناس سريان النار في الهشيم إن السمعة الطيّبة هي رأس مال الإنسان فعندما تتشوّه فماذا بقى له؟!!، إن الذي قد تشوّهت سمعته يتضرر وتتأثر نفسيته كثيراً وربما يصاب بأمراض جسدية وليس عجباً بمن حوله الذي يكُن لهم التقدير والاحترام أن يتغيروا عليه وينظروا إليه بملامح وتعبيرات مختلفة بعدما كانت الثقة قائمة التي تم بناؤها بصعوبة عبر السنين، إن الله لا يرضى الظلم بين عباده يا معشر الإعلاميين والفيسبوكيين بل يقتص من الظالم في الدنيا والآخرة فهو سبحانه وتعالى «يمهل ولا يهمل».
الشائعة يؤلفها ويروجها الحاقدون والكارهون، وينشرها الحمقى، ويصدقها السذج والبسطاء.
الإشاعة كانت وراء موت الفنان عبد القادر مطاع حيث نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، إشاعة وفاة أحد الفنانين المغاربة، وهي الإشاعة التي تداولتها عدة منابر إعلامية خصوصا بعدما نشرها مجموعة من الفنانين المشاهير. ضحية إشاعة الوفاة، هذه المرة، مع العلم أنها ليست الأولى، هو الفنان القدير،
و الفنانة سعاد صابر حيث تداول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات القليلة الماضية، خبر وفاة الفنانة المغربية سعاد صابر في احد المستشفيات بمدينة الدارالبيضاء بعد صراع طويل مع المرض،ونفت الفنانة المغربية في عدة تصريحات صحفية حول الانباء المتداولة حول وفاتها مؤكدة انها بصحة جيدة وكل ما يتداول مؤخرا مجرد شائعات.
الإشاعة كانت وراء موت الفنان عبد الهادي بالخياط حيث سارعت عائلة الفنان المغربي المعتزل عبد الهادي بلخياط إلى نفي شائعة وفاته التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وسارع عدد من رواد فايسبوك وتويتر إلى نعي الفنان (80 عاما) دون التأكد من صحة ما يروجونه، وهو ما اضطر ابنته مريم إلى التدخل لتوضيح الأمر، مؤكدة أن والدها حي يرزق وبصحة جيدة، وأن الأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما هي إلا شائعات، وطلبت من رواد التواصل الاجتماعي حذف تدويناتهم، داعية بالصحة وطول العمر لوالدها..
والأدهى والأمر أن غالبية الناس ليس لديها القدرة على تمييز الأخبار والأحداث وفحصها والتأكيد منها ومن مصادرها وصدقها أم كذبها ومن هنا يأتي خطر الإشاعة.
الإشاعة تنتقي ما تريد من الأحداث أو الأخبار وتركز على جانبٍ وتترك الجوانب الأخرى وتقدم تفسيرات غير صحيحةٍ لأحداث صحيحةٍ أو تختلق وتكذب بغرض التشويه أو الإرباك داخل المجتمع لأهدافٍ متعددةٍ.
في ظل أزمنة كورونا الخانقة، أصدرت العديد من الدول قوانين وعقوبات صارمةٍ ضد كل من يصنع الإشاعات أو يروجها أو يتداولها وبخاصةٍ أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تنشر الإشاعات مثل انتشار النار في الهشيم، ولا شيء يوقف الفرد الخائف من الوباء عن نشر الإشاعات إلا القوانين الصارمة التي تفرض هيبة الدولة والمؤسسات وتحمي الدولة والمجتمع.
الغرض من الإشاعة يختلف بحسب اختلاف العديد من المعطيات، فثمة إشاعات مغرضة سياسياً أو اقتصاديا أو ثقافياً أو اجتماعياً، وأضرارها تتفاوت باختلاف الظروف التي تنتشر فيها، ومن هنا فالإشاعة أخطر من الحدث نفسه لأنها قادرة على تحريفه وتحويره أو تضخيمه واستغلاله، ومن هنا فالإشاعة أخطر من كورونا في هذا الوقت بالذات.
ليست الإشاعة في الخبر فقط، ولكنها في الخبر وفي القصة التي ترويه، وفي السياق الذي يوضع فيه، وفي الغاية المرجو تحقيقها منه، وكثيرٌ من الناس ينساق خلف الخبر الكاذب، وينشره لمجرد أن يأتي بشيء يثير جمهوره المستهدف سواء كان صغيراً وخاصاً أم كبيراً وعاماً، ولا يدرك الأبعاد الخطيرة خلف ذلك.
يتبع…

قم بكتابة اول تعليق