المنبر الحر | سلطة الاتهام في المنظومة القضائية (المكتبة الوطنية وسؤال القضاء)

?????????????????????????????????????????????????????????

أفريقيا بلوس

 

بقلم:ذ. عبد الصمد المرابط *محامي بهيئة الرباط*

   

سبق للمكتبة الوطنية بالرباط أن احتضنت يوما دراسيا حول “استقلالية النيابة العامة”، وهي بادرة قيمة على أكثر من مستوى، بدءا من أهمية الموضوع ومرورا برمزية المكان وانتهاء بنوعية المتدخلين.

في اليوم الدراسي، تظافرت جهود تنظيم يعنى بحقوق الإنسان وجريدة التزمت بهم الوطن، والتأم الجمع حول سؤال موقع سلطة الاتهام في المنظومة القضائية.

بالأمس، كنا نتساءل عن سلطة القضاء، فذكرنا الفقهاء بأن القضـاء ليس سلطة بصريح نص الدستور، واعتبر بعض المهتمين آنذاك أن القاضي مجرد موظف يخضع لتنقيط رئيسه المباشر، وفي غالب الأحيان، يأمره وزير العدل بمحض إرادتـه بالانتقـال مؤقتـا من مدينة إلى أخرى دون اعتبار ظروفه الشخصيـة والعائلية، أو ينقله من الرئاسة إلى النيابة العامة بجرة قلم في انتظار انعقاد المجلس الأعلى للقضاء قصد المصادقة على قرار الوزير، ومن منظور سلطة القضاء التي لم تكن لها مكانة في الدستور السابق، انتقلنا إلى سؤال استقلال القضاء، وسال مداد بغزارة حول هذا الموضوع الملتبس، وفتح النقاش على مصراعيه في معاهد العلوم القانونية والجمعيات الحقوقية، في مقدمتها جمعية هيئات المحامين، ولو رجعنا إلى توصياتها في موضوع استقلال القضاء منذ تأسيسها، لوجدنا من التوصيات المتكررة على امتداد مؤتمراتها ما يشفي الوجدان ولا يشفي الغليل.

واليوم، لم نعد على ما يبدو، نتساءل هل القضاء سلطة أو هل القضاء مستقل؟ وإنما ابتدعنا أسلوب التصنيف وأصبحنا نتساءل عن استقلال النيابة العامة، وغدا قد نتساءل عن استقلال كتابة الضبط، وبعد غد عن استقلال الشرطة القضائية وفي مقدمتها الفرقة الوطنية التي ظفرت مؤخرا بصفة الشرطة القضائية رغم أننا لا نجد لها مكانا في المسطرة القانونية، وهي إحدى الألغاز التي يتعين فكها؟

لم يكن موضوع استقلال النيابة العامة يشغل بال الفقهاء و المهتمين بالشأن القضائي، من قبل، وإنما تعرفنا على هذه العبارة في ندوات “إصلاح العدالة” التي أشرفت عليها وزارة العدل، ويذكر المهتمون أنه في ندوة أكادير على وجه الخصوص، طفـى على السطح سوء فهم بين أحد وكلاء الملك الذي يشهد له الجميع بالكفـاءة والخبرة ووزير العدل والحريات، حول بعض جوانب مداخلته، حيث اختلطت في ذهن الوزير غريزة الرئاسة التي لا مكان لها في المسطرة، ومفهوم النزاهة الفكرية التي يجب أن يتحلى بها كل من حمل رسالة المعرفة.

فما ينبغي التأكيد عليه في هذا الصدد، أن من المتدخلين في المكتبة الوطنية من يتوفر على خبرة ميدانية عالية، ومنهم من يجمع بين العمل السياسي في حلته الجديدة والنزعة الحقوقية على ما يبدو، وصحفيون مصابون بهاجس العدل والحرية.
صحيح أن الدستور الجديد أتى بعدة إصلاحات من شأنها تعزيز السلطات الثلاث وفي مقدمتها سلطة القضـاء، لكن أغلب هذه المكاسب الدستورية لن تعرف طريقها إلى التطبيـق لسببين:

– أولا: حرص المشرع على وضع العديد من متاريس القوانين التنظيمية التي تحتاج إلى وقت طويل وخبرة متناهية في مجال التشريع.

– ثانيا: غياب الإرادة السياسية إن لم تكن الكفاءة الميدانية لتدبير الشأن العام والتي غالبا ما لا يتوفر عليها الحكام الذين خرجت أسماؤهم من صناديق الاقتراع.

ولتأكيد عجز تنزيل المكاسب الدستورية من طرف القائمين على شؤون العباد، نورد العينة التالية بين يدي قرار جنائي يقضي بوجود جريمة التزوير في محرر لا وجود له طيلة جميع أطوار المسطرة، وحين تبحث عن دواعي المتابعة والإدانة، تجد رسالة عامل جعل منها المدعي العام صك المتابعة وبوأها القرار الجنائي مكان الصدارة، وما ينطبق على رسالة العامل ينطبق على جميع محاضر الشرطة، وهذا النوع من المستندات نجده حاضرا بقوة في جميع صكوك الاتهام رغم افتقارها إلى الأثار المادية للإجرام، وعفوية مصادقة ممثل الحق العام لعمل الشرطة القضائية لا تضاهيها إلا تلقائية القاضي الذي لا يحتاج في جلسة الحكم لمرافعة المدعي العام حين يتبنى جملة وتفصيلا ما جاء في محضر الشرطة.. فهل يجدر، في هذه الحالة، النبش في بنود استقلال النيابة العامة التي أتى بها الدستور الجديد، أم حثه على فرض سلطته الفعلية في كل شبر من دائرة نفوذه الترابية وأمر الشرطة القضائية باستعمال أدوات البحث الحديثة دون إغفال إشراك أهل الخبرة قبل توجيهه لأي تهمة، وبعد ذلك، ضرورة وقوفه في جلسة الحكم على قدم المواساة مع من قرر وضعه في قفص الاتهام للتعبير عن اقتناعه الصميم بالإدانة أو البراءة إحقاقا للحق وترسيخا لقيم العـدل والحرية.

هذه بعض شروط القطع مع أي شكل من أشكال التبعية، لأن ميزة استقلال المدعي العام لا تكتسب من التشريع بقدر ما تكتسب بالممارسة الفعلية لمهمته القضائية.

لو أطلت اللجنة المكلفة بالإصلاح على بعض نماذج عمل النيابة العامة وكلفت نفسها أحيانا عناء الاطلاع عن كثب على سير القضايا الجنائيـة التي يحيلها المدعي العام، لوقفت بالملموس على قرائن التبعيـة، وأدركت أن مصدرها هشاشة البراهين النابعة من النقـص في الخبرة والتكويـن لا في غموض القوانين.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*