شكلت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن الدولي الأخيرة بخصوص قضية المغرب الأولى داخليا وخارجيا، ضربات دبلوماسية وانتصارات متتالية مرت عبر قراري مجلس الأمن رقم 24.40 و24.94، لنصل هذه السنة لاعتماد قرار مجلس الأمن رقم 25.48، الذي إذا قمنا بتمحيصه، فإننا نجده يركز على نقاط جوهرية ويزكي القرارات سالفة الذكر، فالحل لهذا النزاع وحيد وأوحد، حسب الأمم المتحدة، ويتجلى في “حل سياسي واقعي ودائم قائم على التوافق”، ومبني أساسا على احترام القرارات الصادرة بدءً من سنة 2007، وإذا حللنا الأمور بنوع من الموضوعية، فنجد أن الحل السياسي هو لفظ غير مباشر لمقترح المغرب المتمثل في الحكم الذاتي باعتباره المبادرة الوحيدة الجادة وذات المصداقية القادرة على حلحلة هذا النزاع الإقليمي بشكل نهائي في إطار السيادة والوحدة الترابية للمغرب طبعا، خاصة وأن الطرف الآخر، جبهة البوليساريو، ليس لها مقترح واقعي تترافع به أمام المجتمع الدولي، وهذا الأمر يتجلى بشكل واضح من خلال نبرة وصيغة تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك في قرارات مجلس الأمن الدولي المتتالية خلال الأربع سنوات الأخيرة، عبر تغييبها للمفاهيم الكلاسيكية التي لم يتم التركيز عليها والتي بصمت عمل الأمم المتحدة، من قبيل “الاستفتاء”، بل أصبحت مضامين التقرير الدولي تتناغم مع مقترح المغرب إلى حد كبير، مما جعل الطرف الآخر وحليفه الاستراتيجي يشعر بعدم الرضا عن مضامين قرار المنتظم الدولي الأخير رقم 25.48، لأنه لم يتضمن أي إحالة على الاستفتاء، ما يعني أنه “خيار” بدون فائدة وغير مجد لحلحلة الملف، في مقابل ذلك، يذكر قرار مجلس الأمن الأخير ست مرات مصطلح “الحل السياسي”، مما يؤكد بالملموس المقاربة التي ينطلق منها المنتظم الدولي من خلال تجديده التأكيد على سمو مبادرة الحكم الذاتي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
إن من بين النقاط الجوهرية التي تضمنها هذا القرار كذلك، التأكيد على استمرارية وديمومة مسلسل الموائد المستديرة، وهنا يؤكد مجلس الأمن، مرة أخرى، على الحفاظ على تنظيم تلك الموائد المستديرة، وعلى “صيغتها وآلياتها” والمشاركين فيها: المغرب، الجزائر، موريتانيا والبوليساريو، وبالتالي، إقرار المنتظم الدولي لمرة أخرى دور الجزائر كطرف رئيسي في المسلسل الهادف لحلحلة هذا النزاع المفتعل، وليس فقط عضوا محايدا كما تدعي الجارة الشقيقة، إذ كرس هذا القرار، دور الجزائر كطرف متدخل للتوصل إلى “حل سياسي واقعي وبراغماتي ودائم لقضية الصحراء، قائم على التوافق”، وخير دليل على ذلك، نجده يذكر دولتي المغرب والجزائر خمس مرات، وهذا كما يعلم محللو التقارير الدولية، ليس اعتباطيا، بل هو مؤشر ذو دلالة يعبر عن محورية الجزائر في هذا النزاع، وبما أنها طرف في النزاع، فأكيد ستكون طرفا في الحل.
أما على المستوى الدبلوماسي، وفي إطار سيادته الترابية على أراضيه، واصل المغرب مسار افتتاح القنصليات بمدينتي الداخلة والعيون، والتي بلغت لحد الساعة خمسة عشر قنصلية آخرها افتتاح أول قنصلية لدولة عربية، ويشكل عدم تطرق مجلس الأمن لهذا الموضوع، بالرغم من اعتراضات الجزائر وجبهة البوليساريو، ضربة قوية لهما، لأنه يؤكد أن افتتاح القنصليات يحترم القانون الدولي وأمر شرعي في ظل سيادة المغرب ووحدته الترابية وفي احترام لحقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية، وفي هذا الصدد، سنفتح كذلك النقاش المتعلق بحقوق الإنسان، فالمغرب، سواء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير، أو في قرار مجلس الأمن، عرف في عدة نقاط منه، تثمين مجهودات المملكة في المجال الحقوقي بالصحراء، وتم تجديد الإشادة مرة أخرى بدور اللجنتين الجهويتين لحقوق الإنسان بالعيون والداخلة ودورهما الجبار في تكريس منظومة حقوق الإنسان، وتفاعل الدولة مع آليات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كما أشاد التقرير بالتعاون الذي يقدمه المغرب لموظفي وعناصر بعثة “المينورسو” خلال ظرفية “كورونا”، بتسريع نتائج التحليلات المخبرية لموظفيها، وفي المقابل، فمجلس الأمن قلق بشدة إزاء المعاناة المستمرة التي يتكبدها سكان مخيمات تندوف، إذ تحدث تقرير أنطونيو غوتيريس بشكل مفصل عن العديد من الانتهاكات التي تمارسها البوليساريو بالمخيمات التي لا تتوفر فيها أبسط شروط الحياة الكريمة، كما تطرق لاستفحال فيروس “كورونا” بالمخيمات وسرعة انتشاره في ظل غياب أرقام إحصائية صحيحة لعدد الإصابات والوفيات، وشبه انعدام المواكبة الطبية، زد على ذلك، انتشار أمراض أخرى بالمخيمات كفقر الدم لدى النساء والأطفال خاصة، دون نسيان الأوضاع الكارثية التي يعاني منها سكان المخيمات، حيث نسب الفقر مهولة، وهذا يطرح أكثر من علامة استفهام عن مصير الإعانات والمساعدات المالية والتموينية التي يتلقاها قادة الجبهة من طرف شتى منظمات ومؤسسات الأمم المتحدة، وكذا من المنظمات غير الحكومية، وهل فعلا تصل إلى من يستحقها؟ وقد كان القرار الجديد لمجلس الأمن حازما من خلال دعوة البوليساريو مرة أخرى، على غرار الدعوات السابقة، إلى احترام اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه سنة 1991، وقرارات المجلس الدولي، ويأتي كل هذا عقب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي كشف عن آلاف الانتهاكات التي ترتكبها البوليساريو، آخرها عرقلة حركة السير بمعبر “الكركرات” والمتواصلة لليوم الثاني عشر على التوالي، في خرق سافر للقانون الدولي عبر إرسال ميليشيات تابعة للجبهة تضم مدنيين فيهم نساء وأطفال، مما يعرقل العملية السياسية ويهدد السلام والاستقرار بالمنطقة، لكن وبالرغم من كل الاستفزازات، فإن حكمة المغرب وعدم اندفاعيته، جعل الأوضاع مستقرة، مما يؤكد مرة أخرى رؤية المغرب وإيمانه الراسخ بالعملية السياسية وبمسار الحوار في إطار احترام سيادته ووحدته الترابية.
ختاما، إن المملكة المغربية دائما ما تكون سباقة للمبادرات النبيلة التي تجعل السلم والسلام شعارها الدائم.
بقلم: رضوان جخا *
* مدون وباحث مغربي رئيس مجلس شباب ورزازات

قم بكتابة اول تعليق