نأى الولد حيه المفعم بالرومانسيات ، سلاه بكل أطيافه القرمزية التي تتيه في سمفونية من عبق ورقي بلوري ، وطبائع حانية كهمس الربى في آذان الربيع ، لكن ما جفته هذه السمفونية أو خلته ، إذ تغنتها كل جارحة فيه ، وطبعت شخصيته ، واصطلت بها كينونته، حتى غدا فتى حالما يهيم في أتونها كحال صب أذكاه التياعه وصاباه.
لم تستمريء حليمة سفريات محمد بحكم عمله ، وهي التي يدغدغها دفء اللمات الوردية ، وتطربها أسمار المواقد الشتوية ، ويرديها صقيع الوحدة كشجرة للكريسماس في أعياد الميلاد السيبيرية .
ناشدت حليمة أن تنتقل للحي المحمدي ، تتوق جوار أخيها وأختها ، فكان أن رضخ محمد لرغبتها منتشيا بالرضى يشرق باسما على ثغرها الجميل ..
انبهر الولد بعالمه الجديد ، عالم الحارة، حيث عبق الشرق والتاريخ ، حيث النفحة البدوية بمسحة إفرنجية محتشمة ، لعلها ومضات أندلسية أهدرتها ذاكرة التاريخ .
هناك تشرب الولد الأصالة في أقداح من طين وتبر ،
هناك انساب من صرحه الفردوسي الحالم إلى واقع من شخوص وطقوس دافئة ،
هذا العالم الجديد خضرم كيانه ، فغدا ذاك الفتى الذي عليه الآن ، يتيه بين واقع بلون الثرى وبأنفاس أنس وردي ، وبين خيالات مرمرية تخترق به جلال السحاب ، قد تذكيها نغمة حانية أو لحظ غجري، وقد يركن لماما إلى عالمه هذا إذا زمجر الواقع وتلفع أسمال الفجور ،
هناك عانق الفتى عمائم الجدات، وعبق الملاحف والوشم ، وعطر الحناء على المعاصم،
هناك تشرب دفئا صاخبا بمزيج من العفوية والنأي عن الرفاه، يخالطه عطر التراب والحصاد والمراتع،
قم بكتابة اول تعليق