رومانسيات من دفاتر الأستاد عبد العزيز فتحاوي.. الحلقة الخامسة

بسم الله الرحمان الرحيم

” تخضرم الفتى “

نأى الولد حيه المفعم بالرومانسيات ، سلاه بكل أطيافه القرمزية التي تتيه في سمفونية من عبق ورقي بلوري ، وطبائع حانية كهمس الربى في آذان الربيع ، لكن ما جفته هذه السمفونية أو خلته ، إذ تغنتها كل جارحة فيه ، وطبعت شخصيته ، واصطلت بها كينونته، حتى غدا فتى حالما يهيم في أتونها كحال صب أذكاه التياعه وصاباه.
لم تستمريء حليمة سفريات محمد بحكم عمله ، وهي التي يدغدغها دفء اللمات الوردية ، وتطربها أسمار المواقد الشتوية ، ويرديها صقيع الوحدة كشجرة للكريسماس في أعياد الميلاد السيبيرية .
ناشدت حليمة أن تنتقل للحي المحمدي ، تتوق جوار أخيها وأختها ، فكان أن رضخ محمد لرغبتها منتشيا بالرضى يشرق باسما على ثغرها الجميل ..
انبهر الولد بعالمه الجديد ، عالم الحارة، حيث عبق الشرق والتاريخ ، حيث النفحة البدوية بمسحة إفرنجية محتشمة ، لعلها ومضات أندلسية أهدرتها ذاكرة التاريخ .
هناك تشرب الولد الأصالة في أقداح من طين وتبر ،
هناك انساب من صرحه الفردوسي الحالم إلى واقع من شخوص وطقوس دافئة ،
هذا العالم الجديد خضرم كيانه ، فغدا ذاك الفتى الذي عليه الآن ، يتيه بين واقع بلون الثرى وبأنفاس أنس وردي ، وبين خيالات مرمرية تخترق به جلال السحاب ، قد تذكيها نغمة حانية أو لحظ غجري، وقد يركن لماما إلى عالمه هذا إذا زمجر الواقع وتلفع أسمال الفجور ،
هناك عانق الفتى عمائم الجدات، وعبق الملاحف والوشم ، وعطر الحناء على المعاصم،
هناك تشرب دفئا صاخبا بمزيج من العفوية والنأي عن الرفاه، يخالطه عطر التراب والحصاد والمراتع،
خصوصا لما تحل جدته محملة بألبانها وديكتها،
فتاقت نفس الفتى لزيارة البادية …..

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*