يعيش قطاع الدقيق المدعم في المغرب أزمة حقيقية بسبب تفشي الفساد واحتكار الوسطاء والتجار، ما أثر بشكل مباشر على الفئات المستحقة للدعم، ويشهد توزيع الدقيق المدعم اختلالات واسعة، إذ يعمد بعض التجار إلى تفريغ أكياس الدقيق المدعم في أخرى مخصصة للدقيق الممتاز، لبيعه بأسعار تفوق الأسعار القانونية، مستغلين غياب الرقابة الفعالة، كما تُكتشف باستمرار شبكات سرية تتاجر في الدقيق المدعم عبر مستودعات غير قانونية، كما وقع خلال هذا الأسبوع بالناظور، حيث يتم التلاعب بالجودة والأسعار، هذا الوضع أدى إلى حرمان العديد من المواطنين من حقهم في الحصول على هذا المنتج الأساسي بالسعر المدعوم، مما يطرح تساؤلات حول الجهود المبذولة لمكافحة هذه التجاوزات وضمان عدالة التوزيع.
يلجأ بعض التجار والوسطاء إلى تخزين كميات كبيرة من الدقيق المدعم في أماكن تفتقر إلى معايير السلامة الغذائية، مما يعرض هذه المادة الأساسية للتلف ويجعلها غير صالحة للاستهلاك. يتم بعد ذلك بيع هذا الدقيق في السوق السوداء بأسعار تفوق السعر المدعوم، ما يؤدي إلى حرمان الفئات المستحقة من حقها في الحصول على الدعم الحكومي المخصص لها. هذه الممارسات غير القانونية تمثل وسيلة لتحقيق أرباح سريعة وغير مشروعة على حساب الفئات الضعيفة التي تعاني من تفاقم الأوضاع الاقتصادية.
كما يشكل بيع الدقيق المدعم خارج الإطار القانوني تحديًا خطيرًا للأمن الغذائي في المغرب. يستغل المضاربون الثغرات في نظام التوزيع لشراء كميات كبيرة من الدقيق المدعم وتخزينها سرًا في مستودعات غير مرخصة، ليعيدوا طرحها في الأسواق غير الرسمية بأسعار مرتفعة. هذا التلاعب يؤدي إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على الفئات الهشة، التي تعتمد على هذا الدعم الحكومي لتلبية احتياجاتها اليومية من المواد الغذائية الأساسية.
مخازن سرية
يتورط بعض التجار في تزوير المستندات الخاصة بتوزيع الدقيق أو تقديم معلومات مضللة بشأن الكميات المخصصة، مما يؤدي إلى تحويل كميات كبيرة من هذه المادة إلى أسواق غير معنية، هذه الأفعال تحرم الفئات الضعيفة من الحصول على الدعم الضروري، مما يزيد من أعبائها الاقتصادية.
وتعتمد شبكات الإتجار غير القانوني بالدقيق الوطني المدعم على مخازن سرية مخصصة لاستبدال أكياس الدقيق المدعم بأخرى عادية، بهدف إعادة بيعه بأسعار مرتفعة في الأسواق والمدن الكبرى. وقد تمكنت المصالح الأمنية في تزنيت من توقيف عدد من المتهمين المتورطين في هذه العمليات، حيث كانوا يستغلون هذه المخازن لتخزين الدقيق وتغيير الأكياس، مما يساهم في تمويه أجهزة الرقابة والمراقبة.
وكشفت التحقيقات عن العديد من القضايا التي تورطت فيها شبكات تعتمد على هذه المخازن السرية، حيث تستقبل شاحنات محملة بالدقيق المدعم لتوزيعها وبيعها بطرق غير قانونية. حيث تُعبأ مرة أخرى في أكياس جديدة قبل توزيعها على المدن الكبرى. ومن بين هذه الوجهات، “الكراجات” التي تبيع الخبز، حيث يقوم البعض بخلط الدقيق المدعم بمواد إضافية مثل “النخالة” و”الخرقوم” و”البلبولة”. ونتيجة لذلك، يرتفع سعر الكيلوغرام الواحد من 1.82 درهم إلى 2.5 درهم، وقد يصل أحيانًا إلى 3 دراهم، وذلك حسب تقلبات السوق والعرض والطلب.
مخابز عشوائية
تشكل المخابز العشوائية التي تعتمد على الدقيق المدعم ظاهرة متزايدة في المغرب، حيث تقوم هذه المخابز غير المرخصة باستغلال الدقيق المدعم الذي تخصصه الدولة للفئات الهشة، بهدف تحقيق أرباح سريعة وغير قانونية. يتم بيع الخبز ومنتجات الدقيق بأسعار تفوق تلك المحددة من قبل الدولة، مما يضر بالفئات المستفيدة من هذا الدعم ويزيد من معاناتها الاقتصادية.
تعتمد هذه المخابز على الدقيق المدعم الذي يتم شراؤه من السوق السوداء أو عبر وسطاء يساهمون في التلاعب بأسعار وتوزيع هذه المادة الحيوية. تفتقر هذه المخابز إلى أدنى معايير الصحة والسلامة، إذ يتم إعداد الخبز في ظروف غير صحية، مما يعرض صحة المستهلكين لخطر كبير. إضافة إلى ذلك، تسهم هذه المخابز في المنافسة غير العادلة مع المخابز القانونية التي تلتزم بالشروط الصحية والأسعار المحددة.
العديد من المهنيين في قطاع المخابز قدموا شكاوى إلى السلطات، تفيد بأن المخابز العشوائية تعتمد على هذا الدقيق المدعم لتحقيق أرباح غير مشروعة، وهو ما يضر بالمخابز العصرية ويتسبب في فقدانها لملايين الدراهم سنويًا، فقد أصبحت هذه المخابز العشوائية ظاهرة منتشرة، حيث يقوم أشخاص غير مرخصين باستغلالها دون أي رقابة، معتمدين على خفض التكاليف مقارنة بالمخابز القانونية
وقد أعرب العديد من سكان الدواوير عن استيائهم من اختفاء الدقيق المدعم من مناطقهم، حيث يتم تحويل حصصهم إلى المخابز العشوائية، مما يحرمهم من هذه المادة الأساسية المدعمة.
قضايا المحاكم
تعتبر قضية الإتجار في الدقيق المدعم من المشكلات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد المغربي، حيث ظهرت العديد من الشبكات والعصابات التي تستغل هذا المورد الحيوي لتحقيق مكاسب غير قانونية. من بين القضايا البارزة، تم القبض على شبكة تهريب في الصويرة، حيث كان أفرادها يقومون بتهريب كميات كبيرة من الدقيق المدعم إلى مناطق أخرى، وبيعها بأسعار مرتفعة.
وقد تم تقديمهم للمحاكمة بتهم تتعلق بالمضاربة والاحتكار، مما يعكس جدية السلطات في محاربة هذه الظواهر.
في مراكش، أُدين عدد من الأشخاص الذين حصلوا على رخص توزيع الدقيق المدعم باسم الغير، وقاموا بالتصرف في الحصص المخصصة لهم بشكل غير قانوني، دون أن تصل هذه الحصص إلى المستفيدين الحقيقيين. وقد أصدرت المحكمة أحكامًا بالسجن تترواح بين سنة وخمس سنوات، وغرامات مالية ضد المتهمين، مما يدل على التزام النظام القانوني بمواجهة هذه الممارسات.
وفي الدار البيضاء، تم الكشف عن شبكة أخرى تنشط في بيع الدقيق المدعم بأسعار مرتفعة، مستخدمة مستندات مزورة للحصول على الكميات. وقد أظهرت التحقيقات تورط عدد من التجار، الذين تمت محاكمتهم بتهم تشمل التلاعب بالأسعار والمنافسة غير العادلة، مما يعكس المخاطر التي تتعرض لها السوق المحلية.
كما أُدين عدد من المتهمين في فاس بتهمة المضاربة في الدقيق المدعم، حيث تبين أنهم كانوا يحتفظون بكميات كبيرة في مخازن سرية بهدف بيعها بأسعار أعلى لاحقًا. وقد أصدرت المحكمة حكما بالسجن في حقهم، مما يشير إلى فعالية الإجراءات القانونية المتخذة.
وفي أكادير، تم القبض على أفراد ينتمون إلى شبكة تعمل على توزيع الدقيق المدعم بطريقة غير قانونية، حيث كانوا يحصلون على الكميات المخصصة للقرى الفقيرة، ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة في الأسواق. وقد قضت المحكمة بعقوبات رادعة ضدهم، مما يؤكد على أهمية تعزيز الرقابة القانونية لمواجهة هذه الظواهر.
وتسلط هذه القضايا الضوء على التحديات التي تواجه السلطات المغربية في مكافحة المضاربة والاحتكار في سوق الدقيق المدعم، مما يستدعي اتخاذ خطوات فعالة لضمان التوزيع العادل والحفاظ على حقوق المواطنين.
نحتاج ترسانة قانونية
أكد لحسن أبودرار، محام بهيئة أكادير، أن المضاربة في الدقيق المدعم تُعد من أبرز القضايا التي تشغل بال المواطن المغربي، نظرًا لتأثيراتها السلبية على القدرة الشرائية واستقرار الاقتصاد الوطني. في ظل هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة لوضع قانون صارم لمكافحة المضاربة والاحتكار غير المشروع، يتضمن عقوبات رادعة للمخالفين. وعلى الرغم من وجود إطار قانوني لمواجهة هذه الممارسات، إلا أن بعض الأفراد يخشون تطبيقه، إذ قد يهدد ذلك مصالحهم التجارية التي تُستغل على حساب معاناة المواطنين.
وأوضح أبودرار أن القانون المغربي رقم 99/06 يلعب دورًا مهمًا في تحديد أحكام حرية الأسعار وتنظيم المنافسة، حيث يهدف إلى تعزيز الفعالية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المستهلكين من خلال ضمان الشفافية والنزاهة في المعاملات التجارية. كما يشدد على أهمية التصريح عن حيازة السلع، حيث تعتبر حيازة السلع دون تصريح جريمة، مما يسهل رصد المخالفات. في إطار القضايا القانونية المتعلقة بالمضاربة، تم الاستناد إلى مواد محددة، مثل المادة 6 والمادة 55 من القانون 99/06، حيث أكدت المحكمة أن المتهمين اتفقوا على إعداد ملفات للحصول على رخص توزيع الدقيق المدعم باسم الغير، وتصرفوا في الحصص المخصصة لهذه الرخص بشكل غير قانوني.
وأشار أبودرار إلى أن المحكمة، من خلال قرارها، أبرزت العناصر القانونية التي تؤكد ارتكاب الجرائم المتمثلة في الادخار السري والمنافسة غير العادلة. يمكن أن تُعاقب هذه الأفعال بالحبس والغرامات، مما يعكس جدية القانون في محاربة هذه الممارسات. أيضًا، تحتاج الحكومة إلى تعزيز آليات الرقابة لمنع المضاربة وضمان وصول الدقيق المدعم إلى مستحقيه. يتضح أن الدقيق المدعم ليس مجرد سلعة، بل يمثل رمزًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع المغربي، مما يتطلب اتخاذ خطوات فعالة لضمان التوزيع العادل وحرية المنافسة الحقيقية. إن تطبيق القانون بطريقة فعالة يساهم في حماية المستهلكين وتعزيز الثقة في السوق، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وحيث إن محكمة النقض اعتبرت إدانة المتهمين بالمضاربة في الدقيق المدعم بجنحة الادخار السري للسلعة بقصد المضاربة وتحريف المنافسة إدانة ترتكز على أساس صحيح، وفي تعليلها ما يلي:إن مادة الدقيق المدعم من البضائع المنظمة أسعارها، والمحددة قانونًا شروط حيازتها وبيعها. والمحكمة لما أدانت المتهمين من أجل جنحة الادخار السري بقصد المضاربة وتحريف المنافسة بعلة إعدادهم لملفات الحصول على رخص توزيع الدقيق المدعم باسم الغير، وتسلمهم الحصص المخصصة لهذه الرخص وإخفائها بهدف المضاربة، وتصرفهم فيها دون أن يصل الدقيق إلى أصحاب الرخص الصورية الذين يتسلمون مقابل ذلك مبالغ مالية شهرية، تكون قد أبرزت بما فيه الكفاية العناصر القانونية للجنحة المذكورة، وجاء قرارها معللًا ومؤسسا.
الضرب بيد من حديد
تفاعل العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع خبر تفكيك شبكة إجرامية بجهة الشرق متورطة في المضاربة بمادة الدقيق المدعم وتخزينها في ظروف قد تمس بصحة المواطنين. حيث تم استهداف ثمانية مستودعات سرية معدة لتخزين كميات كبيرة من الدقيق المدعم وترويجها خارج نطاقها المشروع، مع حجز ما يناهز 60 طنًا في ظروف تفتقر إلى شروط السلامة الصحية والغذائية.
وأشارت تعليقات رواد الفضاء الأزرق إلى ضرورة إيجاد طرق دعم أخرى للأسر المعوزة، وإلغاء الدقيق المدعم. وأوضح إبراهيم أن الدقيق المدعم يستفيد منه التجار والسماسرة، مشيرًا إلى وجود اختلالات تشوب عملية توزيع الدقيق المدعم، ما يحرم الأسر المعوزة من الاستفادة منه بالرغم من حاجتها الماسة إليه. وهذا يستدعي إعادة النظر في العملية برمتها بهدف تحقيق تنزيل أمثل للأهداف المتوخاة من هذه المبادرة. وأضاف أن السلطة المحلية مطالبة بالوقوف على عملية التوزيع ومواكبتها.
وأكد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع حجز شاحنات تحمل دقيقًا مدعمًا بإقليم اشتوكة آيت باها، على ضرورة تكثيف المراقبة على الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية عمومًا والدقيق المدعم خصوصًا، والضرب بيد من حديد على من يسعى إلى تجويع المغاربة، حيث انتفت عنهم صفة الإنسانية.
وكشف موسى أن الاتجار في الدقيق المدعم أصبح مصدر غنى لمجموعة من التجار في تزنيت وبوجدور والسمارة، وكذلك بعض الأعيان. وأشار إلى أنه سبق أن تم اعتقال تاجر في تزنيت، يملك مستودعًا سريًا يخزن فيه أطنانًا من الدقيق المدعم في ظروف غير صحية، ويقوم بتوجيهها نحو البيع بعد إعادة تعبئتها في أكياس جديدة بغرض تمويه المستهلك ومصالح المراقبة.
وطالبت مجموعة “فيسبوكية” في تدوينات مختلفة بوضع برنامج شفاف لتوزيع الدقيق المدعم على الجمعيات المنوطة بها تدبير هذه العملية، بتنسيق السلطات المحلية، بشكل متكافئ حتى تتمكن جميع الأسر الهشة من المعوزين والأرامل من الاستفادة في ظروف جيدة تصون كرامة الإنسان. مضيفا أنه بات من الضروري على الحكومة تشديد الرقابة على الأسواق وتكثيف عمليات التفتيش على نقاط البيع، بالإضافة إلى فرض عقوبات صارمة على المتلاعبين. كما ينبغي تحسين نظام توزيع الدقيق المدعم بمشاركة السلطات المحلية والمجتمع المدني لضمان وصوله إلى مستحقيه. إن تعزيز هذه الجهود المشتركة سيساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان توجيه الدعم لمن يحتاجه. إن تطبيق العقوبات على المتورطين سيجعلهم عبرة للآخرين.
قم بكتابة اول تعليق