أفريقيا بلوس ميديا/ تحرير: محمد بنهيمة
في زمن أصبحت فيه الكلمة سلعة، والحقيقة ضحية، تطفو على السطح فئة دخيلة على مهنة الصحافة النبيلة، تتقن التلون وفق مصالحها، وتحترف النفاق تحت قناع “الاستقلالية الإعلامية”. هم ليسوا صحفيين بالمعنى المهني ولا الأخلاقي، بل سماسرة انتخابات، تجار نفوذ، ووسطاء ابتزاز، يستغلون الورق والميكروفون لتمرير أجنداتهم الشخصية أو لمصلحة من يدفع أكثر.
من دار بوعزة إلى بوسكورة… رحلة الابتزاز
شهدت منطقة دار بوعزة في الآونة الأخيرة حالات صارخة من هذا النوع، حيث تحول أحد الأشخاص، الذي يدعي انتماءه للميدان الصحفي، إلى أداة للضغط وابتزاز عدد من المنتخبين المحليين، محاولاً فرض نفسه كفاعل سياسي من الخلف، يوزع الولاءات ويهدد بكشف “ملفات” مفبركة ما لم تُلبّى مطالبه.
واليوم، ينتقل نفس الشخص إلى مدينة بوسكورة، حاملاً معه نفس الأساليب ونفس الأجندة: خلق الفوضى الإعلامية، وتشويه صورة المنتخبين، وابتزازهم تارة باسم “النقد البناء”، وتارة أخرى تحت ذريعة “التحقيق الصحفي”.
تشويه المهنة وضرب الديمقراطية
هذا النموذج المشين لا يسيء فقط إلى الصحافة كسلطة رابعة، بل يضرب في العمق أسس الديمقراطية المحلية، ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات. فحين يصبح “الصحفي” خصماً وحَكماً، ويتحول إلى لاعب سياسي متنكر، فإننا نكون أمام انحراف خطير يهدد الشأن العام ويغتال المهنية الصحفية.
القوانين موجودة… والتطبيق واجب
القانون المغربي واضح في هذا الباب. فـمدونة الصحافة والنشر تجرّم ممارسة الصحافة دون توفر الشروط القانونية والمهنية، كما ترفض استخدام الإعلام كوسيلة للابتزاز أو التشهير أو خدمة المصالح الخاصة.
وفي هذا السياق، ينص القانون رقم 88.13 على أن العمل الصحفي يجب أن يكون محكوماً بضوابط أخلاقية ومهنية صارمة، ويمنع أي شكل من أشكال الابتزاز أو التحامل المقصود.
كما يعاقب القانون الجنائي كل من يستعمل وسائل الإعلام في التشهير أو الضغط على المسؤولين العموميين لتحقيق مكاسب شخصية.
المطلوب: وقفة حازمة من السلطات والمجتمع
ما يحدث اليوم في دار بوعزة وبوسكورة يستدعي وقفة جادة من السلطات المعنية، والمجلس الوطني للصحافة، والنيابة العامة، لتطهير الميدان من هذه العناصر الطفيلية، ورد الاعتبار للصحفيين الحقيقيين، الذين يشتغلون بضمير ومهنية، ويساهمون في بناء وعي المجتمع لا تقويضه.
كلمة أخيرة
“أصل النفاق: صحافة الاسترزاق” ليس مجرد عنوان، بل هو توصيف دقيق لوضع مقلق يتطلب منا جميعاً – كصحفيين، منتخبين، وكمجتمع مدني – أن نقف صفاً واحداً لفضح هذه الممارسات المشينة وقطع الطريق أمام من يبيع القلم في سوق المصالح.
فالصحافة، في جوهرها، سلطة تنوير لا سلطة تسعير.

قم بكتابة اول تعليق