رضوان: القاضي المتقاعد ليس دخيلا على المحاماة

أفريقيا بلوس ميديا/ متابعة: محمد بنهيمة

*بقلم: ‬محمد‭ ‬رضوان*

في‭ ‬تصريح‭ ‬مثير‭ ‬للجدل،‭ ‬قال‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬المغربي،‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي،‭ ‬إن‭ “‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لقاض‭ ‬متقاعد‭ ‬في‭ ‬مهنة‭ ‬المحاماة‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬تصريح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬صادما،‭ ‬بل‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬نظرة‭ ‬إقصائية‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬حول‭ ‬فهم‭ ‬موقع‭ ‬القاضي‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة،‭ ‬وامتداد‭ ‬دوره‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭.‬

لا‭ ‬بد‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القاضي‭ ‬والمحامي‭ ‬جناحا‭ ‬العدالة‭. ‬كلاهما‭ ‬يؤديان‭ ‬وظيفة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬القاضي‭ ‬يُصدر‭ ‬الأحكام،‭ ‬فالمحامي‭ ‬يُمارس‭ ‬الدفاع،‭ ‬وبينهما‭ ‬جسر‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬والتكامل‭ ‬لا‭ ‬التنافر‭.‬

منصة‭ ‬القضاء‭ ‬ليست‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق

القاضي،‭ ‬حين‭ ‬يحال‭ ‬على‭ ‬التقاعد،‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬فجأة‭ ‬كفاءته‭ ‬القانونية،‭ ‬ولا‭ ‬تسقط‭ ‬عنه‭ ‬أخلاقيات‭ ‬المهنة،‭ ‬ولا‭ ‬تتبخر‭ ‬تجربته‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها‭ ‬عبر‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬الاجتهاد‭ ‬والنزاهة‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬نضجا‭ ‬وتبصرا،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬إضافة‭ ‬نوعية‭ ‬لمهنة‭ ‬المحاماة،‭ ‬إن‭ ‬اختار‭ ‬الالتحاق‭ ‬بها‭.‬

في‭ ‬بلدان‭ ‬عديدة‭ ‬يُرحب‭ ‬بالقضاة‭ ‬المتقاعدين‭ ‬في‭ ‬مهنة‭ ‬المحاماة،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬قواعد‭ ‬الشفافية‭ ‬وتجنب‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭. ‬فالمعيار‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الخلفية‭ ‬المهنية،‭ ‬بل‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقانون،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬بجدية‭ ‬واستقلالية،‭ ‬والانضباط‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬المهنة‭.‬

تاريخ‭ ‬مشترك‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لإنكاره

من‭ ‬يطالع‭ ‬تاريخ‭ ‬القضاء‭ ‬والمحاماة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬المغرب‭ ‬تحديدا،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬المهنتين‭ ‬كانت‭ ‬دوما‭ ‬مرنة‭ ‬وتكاملية‭. ‬محامون‭ ‬كبار‭ ‬أصبحوا‭ ‬قضاة،‭ ‬وقضاة‭ ‬متميزون‭ ‬اختاروا‭ ‬المحاماة‭ ‬بعد‭ ‬تقاعدهم‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يسيء‭ ‬للمهنة‭ ‬أو‭ ‬يمس‭ ‬استقلالها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬لمسار‭ ‬مهني‭ ‬شريف‭ ‬يخدم‭ ‬العدالة‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬مختلفة‭.‬

تصريح‭ ‬الوزير،‭ ‬للأسف،‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬المحاماة‭ ‬أصبحت‭ ‬ناديا‭ ‬مغلقا،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإقصاء‭ ‬بدل‭ ‬الاحتواء،‭ ‬وعلى‭ ‬الشك‭ ‬بدل‭ ‬الثقة‭. ‬وهذا‭ ‬تصور‭ ‬خطير‭ ‬على‭ ‬مهنة‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الانفتاح،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الكفاءات،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الانغلاق‭ ‬والعصبية‭ ‬المهنية‭.‬

المحاماة‭ ‬تكبر‭ ‬بكفاءة‭ ‬من‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها

المحاماة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ليست‭ ‬مهنة‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات،‭ ‬ولا‭ ‬مجالا‭ ‬لتكريس‭ ‬منطق‭ “‬نحن‭ ‬وهم‭”. ‬إنها‭ ‬رسالة‭ ‬تتسع‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬آمن‭ ‬بالقانون‭ ‬ودافع‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭. ‬والقاضي‭ ‬المتقاعد،‭ ‬حين‭ ‬يلتحق‭ ‬بها،‭ ‬لا‭ ‬يأتيها‭ ‬دخيلا‭ ‬أو‭ ‬طارئا،‭ ‬بل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬الثاني،‭ ‬حاملا‭ ‬معه‭ ‬رصيدا‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬والتجربة‭ ‬يغني‭ ‬المهنة‭ ‬ولا‭ ‬يُنقص‭ ‬منها‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬فخر‭ ‬المحاماة‭ ‬أن‭ ‬تحتضن‭ ‬بين‭ ‬صفوفها‭ ‬قضاة‭ ‬خدموا‭ ‬القانون‭ ‬بشرف‭ ‬وضمير‭. ‬فهم‭ ‬ليسوا‭ ‬بطاريات‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية،‭ ‬كما‭ ‬وصفهم‭ ‬البعض‭ ‬للأسف،‭ ‬بل‭ ‬شموع‭ ‬أنارت‭ ‬طريق‭ ‬العدالة‭ ‬طويلا،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬في‭ ‬طاقتها‭ ‬الكثير‭.‬

في‭ ‬الختام‮…

نأمل‭ ‬من‭ ‬المسؤولين،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬وزير‭ ‬العدل،‭ ‬أن‭ ‬يعيدوا‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تسيء‭ ‬فقط‭ ‬للقضاة،‭ ‬بل‭ ‬تمس‭ ‬هيبة‭ ‬العدالة‭ ‬وثقة‭ ‬الناس‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬نطالب‭ ‬بنقاش‭ ‬هادئ،‭ ‬مسؤول،‭ ‬ومفتوح‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬يراعي‭ ‬مصلحة‭ ‬المهنة،‭ ‬واحترام‭ ‬القامات‭ ‬القانونية،‭ ‬ويضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬بالإقصاء،‭ ‬بل‭ ‬بالتكامل‭ ‬والتقدير‭.‬‬

لأننا‭ ‬إذا‭ ‬بدأنا‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬رموز‭ ‬العدالة‭ ‬من‭ ‬ساحاتها،‭ ‬فماذا‭ ‬سنقول‭ ‬للعدل‭ ‬حين‭ ‬يسأل‭: ‬أين‭ ‬رجالي؟

*رئيس‭ ‬الودادية‭ ‬الحسنية‭ ‬للقضاة*

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*