بقلم: ✍️ محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
“المقاول الذاتي” في المغرب.. حلم الإصلاح الذي انقلب إلى كابوس بيروقراطي… بعد عشر سنوات على إطلاقه.. النظام الذي وُعد بأنه ثورة في التشغيل الذاتي يتحول إلى فخٍّ ضريبي يطارد صغار الحالمين بالاستقلال”
مقدمة:
—البداية كانت واعدة.. والنية صادقة
قبل عشر سنوات، أطلقت الحكومة المغربية على عهد رئيسها عبد الإله بن كيران نظام “المقاول الذاتي”، باعتباره خطوة ثورية لدمج آلاف العاملين في القطاع غير المهيكل داخل الاقتصاد الرسمي.
وُعد المواطنون بمساطر مبسطة، وضرائب رمزية، وحماية اجتماعية تدريجية، وولوج قانوني إلى السوق. بدا الأمر آنذاك وكأنه فتح اقتصادي جديد يحرر الطاقات الشابة من قيود البطالة والبيروقراطية.
لكن، بعد مرور عقد من الزمن، تحوّل الحلم إلى ما يشبه فخًا بيروقراطيًا جديدًا. النظام الذي أريد له أن يكون جسرًا نحو الكرامة الاقتصادية، أصبح في نظر كثيرين “مصيدةً ضريبية” تطارد الفئات نفسها التي قيل إنه جاء لإنصافها.
—الأرقام لا تكذب: نصف المقاولين في “سبات ضريبي”
تُظهر معطيات الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة أن عدد المسجلين في نظام المقاول الذاتي تجاوز 450 ألف شخص إلى غاية سنة 2024.
لكن خلف هذا الرقم “المبهر” تكمن الحقيقة الصادمة: أكثر من 60 في المئة من هؤلاء لا يمارسون أي نشاط فعلي، أي أن النظام يضم عشرات الآلاف من “الأسماء فقط” دون مشاريع أو مداخيل.
ورغم ذلك، تستمر مصالح الضرائب في مطالبتهم بالأداء وكأنهم مقاولون ناشطون يحققون أرباحًا. “أوقفت نشاطي منذ 2021، ومع ذلك ما زلت أتوصل بإنذارات بالأداء حتى اليوم”، يقول عبد الرحمن، صحفي سابق من الرباط، مضيفًا:
> “لم أربح درهمًا واحدًا، لكن الدولة تعاملني كأنني صاحب شركة قائمة. دفعت المبلغ فقط لأتخلص من الرسائل المختومة بالأحمر”.
—من “فرصة العمر” إلى “فخ العمر”
قصة عبد الرحمن ليست استثناءً، بل جزء من ظاهرة وطنية تتسع يومًا بعد يوم.
عبد الله، تقني كهرباء من القنيطرة، يروي تجربته المرة:
> “بدأت متحمسًا سنة 2019، لكن لم أجد زبائن. بعد خمس سنوات توصلت بإنذار بالأداء رغم أن رقم معاملاتي كان صفرًا. وعندما ذهبت للتشطيب، قالوا لي خلّص الأول!”.
بهذه البساطة يتحول النظام الذي شجّع الناس على المبادرة إلى عبء يطاردهم في حياتهم اليومية، حتى وإن لم يحققوا أي دخل.
—بيروقراطية بلا منطق.. ومؤسسات بلا تنسيق
القانون رقم 114.13 واضح: أي مقاول ذاتي لا يصرّح برقم معاملات طيلة سنة واحدة يُشطب عليه تلقائيًا.
لكن الممارسة الميدانية تحكي عكس ذلك. مديريات الضرائب تُصدر الإنذارات آليًا دون مراجعة، فيُعامل كل رقم تعريف ضريبي نشط كأنه مشروع قائم.
النتيجة؟
الآلاف يتوصلون بإشعارات أداء رغم توقفهم عن العمل أو هجرتهم.
مساطر التشطيب معقدة، تتوزع بين بريد المغرب الذي يدبر التسجيل، ومديريات الضرائب التي تحتسب الرسوم، دون تنسيق حقيقي بين المؤسستين.
> “تتنقل بين خمس إدارات مختلفة لتُشطب اسمك، وكل واحدة تحيلك على الأخرى. وفي النهاية يُقال لك خلّص عاد نهضرو على التشطيب”، يقول شاب من الدار البيضاء بمرارة.
—وعود اجتماعية لم تُنفَّذ.. وأرقام “نجاح” بلا مضمون
منذ انطلاقه، رُوّج للنظام باعتباره مدخلًا إلى الحماية الاجتماعية والتمويل الصغير، لكن الواقع يُظهر عكس ذلك. وفق بيانات وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، أقل من 10% فقط من المقاولين الذاتيين استفادوا من أي شكل من أشكال التمويل أو التغطية الاجتماعية. أما البقية، فبقوا في الهامش، كما كانوا قبل التسجيل تمامًا.
وزير الإدماج يونس السكوري نفسه اعترف خلال لقاء “مقهى المواطنة” أن شركات عديدة تستغل النظام للتحايل على قانون الشغل، عبر تشغيل أجراء بصيغة “الزبون الواحد”، لتفادي التصريح بهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
—من “مواكبة المقاولين” إلى “مطاردتهم”
خبراء الاقتصاد يجمعون على أن أصل الفكرة كان إيجابيًا، لكن طريقة تنزيلها كانت جبائية بحتة. يقول خبير في المالية العمومية:
> “الإدارة تتعامل مع المقاول الذاتي كرقم ضريبي، لا كمشروع صغير يحتاج إلى الدعم والمواكبة. نحن أمام منطق حسابي لا إنساني”.
وهكذا تحوّل النظام من أداة إدماج إلى وسيلة ضغط، ومن حلم بالمبادرة إلى رعبٍ من إشعارات الأداء والغرامات.
—تواصل غائب.. وغموض يُنتج الجهل الإداري
غياب التواصل المؤسساتي زاد الطين بلّة. فالمواقع الرسمية تقدم معلومات عامة وغامضة، بينما يتكفل فيسبوك وواتساب بتوجيه المقاولين الجدد.
النتيجة: انتشار الخرافات والمغالطات بدل الإرشاد القانوني.
بل إن بعض الحالات وصلت إلى العبث:
إنذارات أداء أُرسلت لأشخاص متوفين منذ سنتين.
مقاولون أغلقوا أنشطتهم رسميًا، لكنهم ما زالوا “نشطين” في النظام الإلكتروني.
وغرامات تُحتسب على ملفات “ميتة” لا يعلم أصحابها بوجودها إلا حين تُحجز حساباتهم البنكية.
—الدولة تقول: نجاح مبهر! .. والميدان يقول: خيبة أمل
في ندوة لوزارة المالية سنة 2023، قيل إن “نظام المقاول الذاتي ساهم في خلق فرص شغل جديدة وتعزيز ثقافة المقاولة”.
لكن دون دراسات مستقلة أو أرقام دقيقة، تبقى هذه العبارات أقرب إلى الدعاية منها إلى التقييم.
فالميدان يتحدث بلغة أخرى تمامًا، لغة المقاولين الصغار الذين اكتشفوا أن الانخراط في النظام يعني غالبًا الانخراط في معاناة جديدة.
—إصلاح مؤجل.. أم مشروع انتهى قبل أن يبدأ؟
اليوم، وبعد عشر سنوات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما زال نظام المقاول الذاتي قادرًا على تحقيق أهدافه الأولى؟
الجواب، في نظر كثيرين، هو لا. فمن دون مراجعة قانونية وإدارية شاملة تُعيد للنظام روحه الأصلية، سيظل آلاف المغاربة يفضلون العودة إلى الظل، بدل العيش في “نور” نظام لا يمنح سوى المتاعب.
> “المقاول الذاتي” كان يفترض أن يكون رمزًا للمبادرة والكرامة، لكنه تحوّل إلى مرآة تعكس أزمة الإدارة المغربية في أبشع صورها: بيروقراطية تقتل الحلم، وتُدين الفشل بدل أن تُصلحه.
_ تحقيق خاص لـ أفريقيا بلوس ميديا
إمضاء: محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
قم بكتابة اول تعليق