بقلم:محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
*يحيى الزلوطي.. القاضي الذي علّم زملاءه أن الصمت أقوى من الخطابة، وجمع بين الفكر والميدان ليصوغ نموذج القاضي العصري في المغرب*
في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات نحو الأضواء، ويغدو الظهور معيارًا زائفًا للكفاءة، يبرز رجلٌ اختار طريقًا مختلفًا. طريق الهدوء والعمل الدؤوب، بعيدًا عن الكاميرات والتصريحات الصاخبة.
إنه الدكتور يحيى الزلوطي، الكاتب العام للودادية الحسنية للقضاة، وأحد أكثر الأسماء حضورًا في وجدان الأسرة القضائية رغم غيابه المقصود عن المشهد الإعلامي.
رجل آمن بأن العدالة تُصنع في المكاتب والميدان لا في المنابر، وأن الأثر الحقيقي لا يحتاج تصفيقًا… بل ضميرًا.
—من القاعة إلى الودادية: مسار قاضٍ اختار الصمت طريقً للقيادة
ولد الدكتور يحيى الزلوطي في بيتٍ آمن بالقيم، وتشرب منذ بداياته فكرة أن المسؤولية في القضاء ليست امتيازًا بل تكليفًا.
منذ أن التحق بسلك القضاء، ظلّ وفيًّا لهذا المبدأ. لم يكن القاضي الذي يثير الجدل أو يسعى لتصدر المشهد، بل ذاك الذي يعمل في صمت، يراقب التفاصيل بدقة، ويقيس القرارات بميزان العدالة والضمير.
وحين اختاره زملاؤه ليكون الكاتب العام للودادية الحسنية للقضاة، لم يأتِ الاختيار صدفة. فقد عرفوه من قبل زميلًا نزيهًا، متوازنًا، يحفظ أسرار المهنة ويعرف كيف يصون كرامة القضاة بعيدًا عن الضجيج.
اليوم، وقد أصبحت الودادية بيتًا حقيقيًا لأسرة القضاء، يقف الدكتور الزلوطي في الخلف، كمهندسٍ صامتٍ يوجّه البوصلة ويوازن بين التحديات والطموحات، بإصرار رجلٍ يعرف تمامًا أن القيادة ليست صراخًا، بل مسؤولية تُمارس بوعيٍ وهدوء.
—الكاتب العام الذي جعل من الودادية بيتًا للجميع
الودادية الحسنية للقضاة لم تعد، بفضل جهود مكتبها الحالي، مجرد جمعية مهنية؛ بل غدت مؤسسة حقيقية للانتماء القضائي.
ومن بين مهندسي هذا التحول، يبرز اسم الدكتور الزلوطي، الذي ساهم بفكره التنظيمي الحصيف في تجديد حضور الودادية داخل الساحة الوطنية.
لقد أدرك مبكرًا أن الودادية ليست ترفًا جمعويًا، بل صمّام أمان يحمي القضاة ويقوي الجبهة الداخلية للجسم القضائي.
تحت إشرافه التنظيمي، تحوّلت الودادية إلى فضاء للحوار، والإنصات، والدعم المتبادل، ومختبرٍ للأفكار الإصلاحية الهادفة إلى تطوير العدالة المغربية.
القضاة يصفونه بـ”صديق الجميع”، لأنه يفتح أبواب الحوار مع الجميع دون تمييز بين قاضٍ مخضرم وشاب في بداية مشواره. في حضرته، يشعر الجميع أنهم متساوون في القيمة والاحترام.
—بين الأكاديمية والميدان: معادلة الزلوطي الذهبية
في مشهدٍ قضائيٍ يحتاج إلى فكرٍ ناضج بقدر ما يحتاج إلى تجربةٍ ميدانية، استطاع الدكتور الزلوطي أن يجمع بين الاثنين بانسجامٍ نادر.
فهو أكاديمي مفكر، يتقن لغة البحث والتحليل، لكنه في الوقت نفسه قاضٍ ميداني يعيش نبض الواقع اليومي للمحاكم.
هذا الجمع بين الفكر والممارسة جعله من أكثر الأصوات قدرةً على صياغة المبادرات الواقعية القابلة للتطبيق، بعيدًا عن الشعارات والتنظير.
لقد ساهم بفكره في بلورة مشاريع تهدف إلى تعزيز استقلال القضاء، وتحصين القاضي مهنيًا وأخلاقيًا، وتطوير علاقته بالمجتمع والإعلام.
في كل مبادرة، يحضر الزلوطي كالعقل الهادئ الذي يوازن بين الطموح والممكن، وبين الإصلاح الواقعي والمثالية القانونية.
—رجل القيم قبل كل شيء
حين تتحدث مع من عرفوا الدكتور يحيى الزلوطي، لا يصفونه فقط ككاتب عام ناجح، بل كإنسانٍ نادر يجمع بين الحزم واللين، بين المسؤولية والإنصات، وبين الوقار والتواضع.
لا يرفع صوته، لكنه يُسمع دائمًا. لا يسعى للظهور، لكنه يُذكر بالخير في كل مجلس.
هو القاضي الذي لا يغيب عن أي موقف إنساني، ولا يتأخر في مساندة أي زميل يحتاج الدعم، سواء في الميدان المهني أو في الحياة الشخصية.
وربما لذلك، صار لقب “رجل الظل” ملازمًا لاسمه. لأنه ببساطة، الذي يعمل أكثر مما يتحدث، ويُنجز أكثر مما يُنسب إليه.
—الودادية كمدرسة في التنظيم والوفاء
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات داخل الجسم القضائي، برزت الودادية الحسنية للقضاة كصوتٍ متزن يعبّر عن القضاة دون مزايدات أو انفعال.
هذا التوازن لم يكن صدفة، بل ثمرة عملٍ مؤسسي شارك فيه الزلوطي بفعالية. فهو يؤمن أن الدفاع عن كرامة القاضي يجب أن يتم بلغة مؤسساتية راقية، تحترم الدولة وتُعزّز الثقة العامة في العدالة.
لقد حرص على أن تظلّ الودادية بعيدة عن التجاذبات، قريبة من الميدان، قادرة على التفاعل مع التحديات اليومية دون أن تفقد هويتها أو استقلاليتها.
ومن خلال أسلوبه الهادئ، استطاع أن يُعيد تعريف معنى الانتماء المهني في صفوف القضاة، ليصبح القاضي أكثر وعيًا بدوره، وأكثر اعتزازًا بمؤسسته.
—جيل جديد داخل القضاء المغربي
يمثل الدكتور الزلوطي جيلًا جديدًا من القضاة الذين يربطون بين الأصالة والتحديث، بين قيم العدالة الراسخة وتطلعات الدولة الحديثة.
جيلٌ لا يرى في القضاء مجرد مهنة، بل رسالة اجتماعية ووطنية كبرى.
جيلٌ يؤمن بأن التحديث لا يعني القطيعة مع الماضي، بل تطوير أدوات العدالة لتواكب تحولات المجتمع المغربي المتسارع.
من خلال موقعه داخل الودادية، يدعم الدكتور الزلوطي هذا التحول الهادئ، ويراهن على التمهين، التكوين المستمر، والانفتاح المسؤول كركائز أساسية لبناء قضاءٍ عصريّ يحظى بثقة المواطن ويصون هيبة الدولة.
—الصمت الذي يتحدث
قد لا يكثر من التصريحات، لكن أثره حاضر في كل مبادرة أو مشروع يخصّ الودادية.
يُشرف على الملفات بدقة متناهية، ويحرص على أن تُدار الأمور داخل المؤسسة بروح الفريق لا الفرد.
ولأنه لا يحب الظهور، فإن كثيرًا من إنجازاته تمرّ دون ضجيج… لكنها تُترجم في النتائج، في التنظيم، وفي انضباط المؤسسة التي يشتغل داخلها.
هو نموذج للمسؤول الذي يفضّل أن يُعرف بما أنجز لا بما قال، في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُقال أكثر مما يُفعل.
—القاضي الذي علّمنا أن الصمت أحيانًا أبلغ من كل الخطب
في سيرة الدكتور يحيى الزلوطي، درسٌ بليغ لكل من يعتقد أن النجاح يقاس بعدد الظهور أو حجم التصفيق.
فهذا القاضي الأكاديمي الهادئ استطاع أن يترك بصمة في مؤسسة بحجم الودادية الحسنية للقضاة، دون أن يرفع صوته يومًا.
نجح لأنه آمن أن العدالة تبدأ من الضمير، وأن التواضع لا يقل شأنًا عن الكفاءة، وأن من يخدم بلُطفٍ وصمتٍ يصنع الأثر الأعمق.
وفي زمن تتزاحم فيه العناوين، يظلّ الدكتور يحيى الزلوطي نموذجًا للرجل الذي اختار أن يكون في الظل… ليضيء طريق غيره
إمضاء: محمد بنهيمة – مدير موقع أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
قم بكتابة اول تعليق