—
تحرير خاص-أفريقيا بلوس ميديا – القسم الوطني للأمن والمجتمع
_مقدمة:
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وأصبح من يحمي الوطن موضعَ اتهامٍ بدلَ التكريم، يبرز سؤالٌ مؤلم:
هل بات الدفاع عن الأمن جريمة؟ وهل صار الشهيد مجرّد رقمٍ يُطوى مع نهاية البيان الرسمي؟
مقالٌ صادم يفتح جرح الحقيقة ويضع الأصبع على نزيفٍ مجتمعيٍّ لا يندمل…
في زمنٍ كثرت فيه الشعارات وتاهت فيه القيم، يعلو سؤال موجع في الضمير الجماعي:
ما ذنب رجل الأمن الذي فقد عينه في مواجهة العصابات؟
وما ذنب من بُترت أطرافه دفاعًا عن المواطنين؟
وما ذنب من استُشهد وهو يحرس أمن الناس وطمأنينتهم، ليُعاد إلى أسرته جثة هامدة ملفوفة في خِمَاسٍ أخضر مرصعٍ بخيوطٍ فضية كُتب عليها: «كل نفسٍ ذائقة الموت»؟
أليس من الظلم أن ننسى هؤلاء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأمننا، بينما تُرفع الأصوات للدفاع عن من اعتدى عليهم بحجة “حقوق الإنسان”؟
—مشهد الوداع.. دموع الفخر ومرارة الغياب
حين يُؤدَّى الوداع الأخير لشرطيٍ أو دركيٍ سقط شهيدًا أثناء أداء واجبه، تقف أسرته بين الصدمة والاعتزاز.
تُرفع التحية العسكرية، وتُلقى كلمات التأبين، لكن الألم يظلّ أقوى من الخطابات.
ففي كل جنازة وطنية تختبئ قصة تضحية صامتة، ورصيدٌ من الشجاعة لا يُقاس بالكلمات.
هؤلاء الشهداء لا يطلبون أكثر من الاعتراف، والإنصاف، والوفاء لتضحياتهم.
فهم لم يخرجوا بحثًا عن مالٍ أو شهرة، بل عن واجبٍ مقدّس اسمه: حماية الوطن والمواطن.
—حقوق الإنسان وواجب الأمن.. ميزان لا يجب أن يختل
لمن يرفعون شعارات “الحرية” و”حقوق الإنسان”، نقول:
إن حماية الوطن ليست جريمة، وتطبيق القانون ليس انتهاكًا.
السبّ، والاعتداء، والتحريض ضد رجال الأمن لا يدخل في باب الدفاع عن الحقوق، بل هو تعدٍّ على القانون والمجتمع.
إن حقوق الإنسان وواجب الدولة في حماية النظام العام وجهان لعملةٍ واحدة.
من دون أمن، لا حرية. ومن دون احترامٍ للقانون، لا كرامة.
فالحق لا يعيش في الفوضى، بل تحت ظلّ العدالة والنظام.
—أسباب التوتر بين المواطن ورجل الأمن
التوتر الذي يحدث أحيانًا بين بعض المواطنين ورجال الأمن ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكماتٍ يمكن تفكيكها ومعالجتها بالحكمة:
ضعف التواصل: غياب قنوات فعّالة لتفسير القرارات والإجراءات يولّد سوء فهمٍ متبادل.
انعدام الثقة: حين يُستغل أي تجاوزٍ فردي لتعميم صورة سلبية عن المؤسسة، تنهار الجسور بين الطرفين.
الظروف الاجتماعية: الفقر والبطالة يُغذيان الغضب، الذي يُترجم أحيانًا إلى عنفٍ ضد ممثلي الدولة.
التحريض الإعلامي والسياسي: تضخيم الحوادث الفردية وتحريفها يُشعل الشارع ويغذي خطاب الكراهية.
لكن الحل لا يكون بمهاجمة المؤسسة الأمنية، بل بإصلاحها، وتدعيم جسور الثقة بينها وبين المواطنين.
—دعوة للإصلاح والتوازن
إن الدفاع عن المؤسسة الأمنية لا يعني تبرئة الأخطاء أو التستر على التجاوزات،
بل المطالبة بإصلاحٍ متوازنٍ وشجاع يقوم على خمسة أسس رئيسية:
1. الشفافية والمحاسبة: لا أحد فوق القانون، سواء كان مواطنًا أو رجل سلطة.
2. دعم رجال الأمن: تجهيز حديث، تدريب مستمر، وتأمين صحي ونفسي لهم ولأسرهم.
3. رعاية أسر الشهداء والجرحى: لأن التكريم الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المهمة لا أثناءها.
4. إطلاق حوار وطني دائم: بين المجتمع المدني والأمنيين والإعلاميين لبناء فهمٍ مشترك للحقوق والواجبات.
5. ردع من يعتدي على رجال الأمن: فاحترام القانون لا يتحقق إلا بصرامةٍ متوازنة وعدالةٍ نزيهة.
—صوت الأسر.. ألم لا يُسمع
وراء كل شهيد في صفوف الأمن قصة عائلةٍ مكلومة، وأطفالٍ ينتظرون عودة والدٍ لن يعود.
هؤلاء لا يطلبون سوى الاعتراف بفضل من رحل، ورعايةٍ تحفظ كرامتهم،
بدل الاكتفاء بعبارة “رحم الله الفقيد” في نشرات الأخبار.
إن واجب الدولة والمجتمع هو تحويل التعاطف إلى التزامٍ دائم،
والتقدير إلى رعايةٍ حقيقية تحفظ إنسانية من ضحّوا لأجلنا.
—حماية الوطن ليست تهمة
حماية الوطن ليست جريمة، وتطبيق القانون ليس اعتداءً على الحرية.
إنها رسالة شرف، وواجب وطني وإنساني.
من حق المواطن أن يُحاسب،
ومن حق رجل الأمن أن يُحترم،
ومن واجب الدولة أن توازن بين الحق والواجب.
فلنُعد الاعتبار لمن حرسوا حدودنا وسهروا على أمننا،
ولنقلها بصوتٍ واحد:
عارٌ أن نُمجّد المجرم، وننكر فضل من حمانا من الخطر.
—
إمضاء: محمد بنهيمة – مديرجريدة أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
© جميع الحقوق محفوظة 2025
2

قم بكتابة اول تعليق