“عتمة النور”… حين تشتعل القصة القصيرة جداً من داخل الصمت!

✍️بقلم: محمد بنهيمة: جريدة أفريقيا بلوس ميديا

مقال نقدي – ثقافة وأدب – قراءة في عمل إبداعي

في مشهد أدبي يبحث باستمرار عن المختلف، عن النص الذي يوقظ الإحساس بدل أن يكتفي بسرده، تأتي الدكتورة أمينة رضوان لتمنح القصة القصيرة جداً جرعة جديدة من الحياة عبر مجموعتها اللافتة “عتمة النور”.

هذا العمل ليس مجرد كتاب يضاف إلى رفوف المكتبات، بل هو صرخة جمالية، وتجربة لغوية مكثفة، ونافذة تطلّ على هشاشة الإنسان حين يواجه نفسه داخل صمته.

منذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أن النصوص لا تُكتب لتُقرأ فقط، بل لتُلمس، ولتترك أثراً في تلك المنطقة الحساسة بين الشعور والتفكير. هنا تكمن قوة “عتمة النور”:

نصوص قصيرة… وقلب طويل في الألم، في المعنى، وفي ما تبقى من نور داخل العتمة.

—قصة قصيرة جداً… لكن نبضها طويل جداً

تعتمد أمينة رضوان أسلوب “الومضة السردية”، حيث تُضغط الفكرة في ثلاثة أو أربعة أسطر، لكنها تأتي مُحمّلة بما يكفي من التوتر الداخلي والعمق النفسي لخلق عالم مستقل داخل لحظة زمنية تكاد تكون معدومة.

ورغم قصر النصوص، إلا أن القارئ يشعر وكأنه يعبر حكاية كاملة:

بداية خفية، صراع داخلي، ذروة وصدمة، ثم نهاية مفتوحة على تأويلات متعددة.

هذا النوع من الكتابة لا ينجح عادة إلا حين يكون الكاتب متمكناً من أدواته، وهو ما يظهر جلياً في قدرة الكاتبة على ضبط الإيقاع، والتحكم في اللغة، وصوغ الصورة بطريقة تجعل كل كلمة ضرورة لا يمكن حذفها.

—“النور في الداخل” وسط عتمة الآخرين

العنوان “عتمة النور” يختصر فلسفة الكتاب:

ضوء داخلي متعب، لكنه عنيد…

روح تقاوم، لكنها تصمت…

إنسان يعيش وسط زيف مجتمعي صاخب لكنه يصر على أن يحمي جزءه النقي من السقوط.

تطرح المجموعة أسئلة عميقة:

هل يستطيع الإنسان التعايش مع عالم لا يسير وفق قيمه؟

ماذا نفعل حين يصبح الصمت أقوى من الكلام؟

وكيف نتصالح مع الضوء الذي نحمله حين يحاصرنا ظلام الآخرين؟

النصوص تحفر في هذه الأسئلة دون مباشرة، عبر لحظات خاطفة لكنها مفعمة بالألم الجميل… الألم الذي لا يجرح بقدر ما يوقظ.

—لغة مشحونة، شعور مرتفع، وعمق وجودي

ما يميز كتاب أمينة رضوان هو تلك اللغة المشحونة بالتوتر الداخلي.

ليست لغة شاعرية فقط، وليست فلسفية فقط، لكنها مزيج نادر بين الحساسية الشعرية والصرامة السردية.

نصوص المجموعة تشبه نبضات قلب متسارعة: قصيرة، لكنها تُسمع.

تشبه أبواباً تُفتح فجأة على غرفة مظلمة… وفي داخلها شمعة تحاول أن تبقى مضيئة رغم الريح.

—من الشعر إلى السرد… توقيع أدبي خاص

خلفية الكاتبة الشعرية واضحة في طريقة بناء الجملة، في الإيقاع الداخلي، في القدرة على تحويل لحظة بسيطة إلى مشهد مشحون بالرمز والدلالة.

لكن الأهم هو أنها لا تقع في فخ التجريد، بل تحافظ على إنسانية النص مهما كان قصيراً، وتجعل القارئ يشعر بالمشهد، لا يقرأه فقط.

هذا التوازن بين الشعر والسرد هو ما يمنح “عتمة النور” نبرة خاصة، يصعب تقليدها أو اختزالها.

—خلاصة: عمل يستحق أن يُقرأ… وأن يُعاد قراءته

“عتمة النور” ليس مجرد مجموعة قصص قصيرة جداً، بل هو دفتر اعترافات صامتة، رؤية إنسانية مكسورة وقوية في الوقت نفسه، وبحث عن الضوء في أكثر اللحظات ظلمة.

إنه عمل مكتوب بنَفَس عميق رغم قصره، وبشجاعة أدبية تجعل القارئ يتوقف بعد كل نص، يعود إليه، يقرأ ما بين السطور… وربما ما بين الصمت.

بهذه المجموعة تثبّت الدكتورة أمينة رضوان اسمها كواحدة من الأصوات الأدبية النسائية الأكثر حضوراً وتميزاً في السرد المغربي الحديث.

✍️إمضاء: محمد بنهيمة_ مدير جريدة أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة

جميع الحقوق محفوظة – أفريقيا بلوس ميديا

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*