—بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
“اختفاء جلول سلامة: حين تتحوّل الأرقام الاقتصادية إلى جريمة سياسية”
لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على إسدال الستار على قضية الكاتب والروائي بوعلام صنصال، حتى وجدت الجزائر نفسها أمام فصل جديد من فصول القمع الصامت، هذه المرة بطلُه خبير اقتصادي لا يحمل قلمًا أدبيًا ولا خطابًا أيديولوجيًا، بل أرقامًا وحسابات، اسمه جلول سلامة.
أواخر شهر يناير 2026، اختفى سلامة في ظروف غامضة، دون أمر قضائي، ودون توضيح رسمي، ودون حتى الحدّ الأدنى من الاحترام لحق عائلته في معرفة مصيره. اختفاءٌ لم يأتِ من فراغ، بل تزامن بشكل لافت مع تصريحات إعلامية جريئة شكّك فيها في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم الحديد بغار جبيلات، المشروع الذي حوّله النظام العسكري إلى أيقونة سياسية لا يجوز الاقتراب منها، ولا حتى تحليلها علميًا.
بحسب معطيات متداولة وتقارير إعلامية ومقاطع مصوّرة، انقطع الاتصال بالخبير الاقتصادي مباشرة بعد بثّ حوار إعلامي فَنّد فيه الأسس الاقتصادية التي يقوم عليها المشروع. منذ تلك اللحظة، لم تتمكن عائلته من التواصل معه، لا هاتفًا ولا حضورًا، ما عزّز فرضية تعرّضه لما بات يُعرف في الجزائر بـ”الاعتقال خارج القانون”، ذلك الأسلوب الذي تتقنه الأجهزة الأمنية حين تريد إسكات صوتٍ دون ترك بصمات رسمية.
جريمة جلول سلامة لم تكن سياسية بالمعنى التقليدي، بل كانت علمية بامتياز، الرجل تحدّث بلغة الأرقام، وسأل سؤالًا بسيطًا: هل مشروع غار جبيلات مربح فعلًا؟ وكانت الإجابة، وفق تحليله، صادمة للنظام.
-أولًا، أشار إلى الهدر الهائل للمال العام، مؤكدًا أن المليارات التي تُضخّ في المشروع لن تنعكس أي فائدة مباشرة منها على المواطن الجزائري اليوم، ولا حتى في العقود القريبة، بل إن الحديث عن مردودية حقيقية لا يبدأ قبل عام 2070، إن لم يتأخر أكثر، أي أن جيلاً كاملًا يُطلب منه الصبر والفقر باسم مشروع لن يراه.
-ثانيًا، تطرّق إلى الكلفة اللوجستية الخيالية، حيث يتطلب نقل خام الحديد مسافات تتجاوز 2000 كيلومتر، في بنية تحتية مهترئة، وبتكاليف تجعل استيراد الحديد من البرازيل أو أستراليا أقل كلفة وأكثر عقلانية. طرحٌ منطقي في أي دولة تحترم الخبراء، لكنه في دولة الجنرالات يُعدّ خيانة.
الأخطر في تصريحات سلامة، وربما السبب الحقيقي وراء إسكات صوته، هو ربطه المشروع بالاتفاقية الموقعة سنة 1972 مع الجارة الغربية، وهي اتفاقية لا تزال قائمة قانونيًا رغم تجميدها سياسيًا. حذّر الرجل من أن الاستغلال الأحادي لمنجم بهذا الحجم قد يفتح باب توترات إقليمية خطيرة، لا يستفيد منها سوى تجار الأزمات، وقد تقود البلاد إلى صدام لا تُحمد عقباه، يدفع ثمنه الشعب وحده.
هنا بالضبط، تحوّل الخبير الاقتصادي إلى “تهديد أمني”، لأن النظام القائم لا يخشى المعارضة السياسية بقدر ما يخشى الحقيقة حين تأتي مدعومة بالمعطيات والأرقام. ولهذا، سارعت بعض المنابر المقرّبة من السلطة إلى شيطنته، فيما فضّلت الأجهزة الأمنية أسلوبها المفضل: الإخفاء بدل النقاش، والترهيب بدل الردّ.
لقد أصبح مشروع غار جبيلات، كما تصفه بعض التحليلات، “رمزًا سياسيًا” لنظام الرئيس عبد المجيد تبون، واجهةً لتسويق وهم السيادة الاقتصادية، وأداة لتلميع حكم الجنرالات. وفي مثل هذه الأنظمة، لا يُسمح لأي تحليل تقني أو علمي بأن يقترب من “الرموز”، لأن الرموز تُعبد ولا تُناقش.
وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يصدر أي بيان رسمي يوضح مكان جلول سلامة، أو يشرح إن كان موقوفًا، أو يحدّد التهم الموجهة إليه، إن وُجدت. صمتٌ رسمي فاضح، اعتبره حقوقيون دليلًا إضافيًا على انهيار دولة القانون، وتحويل الجزائر إلى فضاء تُدار فيه الخلافات الفكرية بالعصا الأمنية.
اختفاء جلول سلامة ليس حادثًا معزولًا، بل رسالة واضحة لكل خبير، وكل أكاديمي، وكل مواطن يفكّر خارج السقف الذي رسمه الجنرالات: إمّا الصمت، أو الاختفاء. وهي رسالة تؤكد أن النظام لا يحكم باسم الشعب، بل يحكم ضدّه، ويخشى أي صوت قد يفضح هشاشته، حتى لو كان ذلك الصوت يتحدث بلغة الاقتصاد لا السياسة.
في الجزائر اليوم، لم يعد الخطر في المعارضة، بل في السؤال. والسؤال، كما يبدو، أصبح جريمة لا تُغتفر.
قم بكتابة اول تعليق