—بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
“غرق 72 شابًا جزائريًا.. لائحة اتهام في حق دولة دفعت أبناءها إلى الموت”
ما حدث في عرض البحر ليس “حادث هجرة غير نظامية”، ولا مأساة إنسانية عابرة، ولا نتيجة “مغامرة فردية” كما تروّج له الرواية الرسمية.
ما حدث هو جريمة دولة بكل المقاييس السياسية والقانونية والأخلاقية، تتحمّل مسؤوليتها سلطة حكم دفعت شبابها، بقراراتها وسياساتها، إلى خيار الموت.
في بلد يملك من الثروات ما يكفي لضمان العيش الكريم لمواطنيه، غرق 72 شابًا وشابة جزائرية في البحر الأبيض المتوسط، بعد رحلة يأس انطلقت من السواحل الجزائرية وانتهت بمقبرة جماعية مفتوحة. هذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط كل خطاب رسمي يتحدث عن “الاستقرار” و“السيادة” و“الدولة القوية”.
شهادة الناجي الوحيد من الكارثة، كما وردت في تسجيل مصور، تشكّل قرينة إدانة لا يمكن القفز عليها. رحلة بدأت من منطقة سيدي سالم في اتجاه الدراوش، وعلى متن القارب 73 شخصًا. وبعد مسافة طويلة في عرض البحر، تعطّل جهاز الملاحة، لتدخل الرحلة مرحلة التيه الكامل، دون تدخل، ودون إنقاذ، ودون استجابة لنداءات الاستغاثة.
وفق الشهادة، مرّت سفن وطائرات فوق المنطقة، ومع ذلك لم تتحرك أي جهة لإنقاذ ركاب القارب. هذا المعطى، إن ثبت، يفتح الباب قانونيًا أمام شبهة الامتناع عن تقديم المساعدة لأشخاص في خطر، وهي تهمة لا تسقط بالتبرير السياسي ولا بالبيانات الإنشائية.
وعندما انقلب القارب في ساعات الفجر الأولى، وسقط الركاب في البحر، لم تكن تلك لحظة قضاء وقدر، بل النتيجة النهائية لسلسلة من المسؤوليات المتراكمة:
_مسؤولية سلطة أغلقت الأفق الاقتصادي.
_مسؤولية نظام صادر السياسة والأمل.
_ومسؤولية دولة غابت عندما كان الغياب جريمة.
من منظور قانوني-سياسي، لا يمكن فصل هذه الكارثة عن السياق العام في الجزائر:
بطالة مزمنة، انسداد سياسي، قمع للأصوات، وتجفيف ممنهج لكل مسارات التغيير السلمي. في هذا السياق، تصبح الهجرة القاتلة سلوكًا قسريًا، لا اختيارًا حرًا، ويغدو البحر أداة قتل غير مباشرة.
إن توصيف الضحايا كمجرد “مهاجرين غير نظاميين” هو تلاعب لغوي يهدف إلى إسقاط المسؤولية عن الدولة. هؤلاء لم يفرّوا من وطنهم عبثًا، بل هربوا من واقع صنعته سياسات رسمية، وكرّسه نظام حكم يراكم الثروة في الأعلى، ويترك الأغلبية في الهشاشة.
_المسؤولية هنا ليست أخلاقية فقط، بل سياسية مباشرة.
نظام الحكم الذي يفشل في توفير شروط العيش، ثم يمنع التغيير، ثم يراقب بصمت هروب الشباب، هو نظام مسؤول عن النتائج، بما فيها الموت الجماعي.
كل جثة ابتلعها البحر هي دليل مادي على فشل الدولة. كل ناجٍ هو شاهد اتهام. وكل صمت رسمي هو إقرار ضمني بالعجز أو التواطؤ.
الدول لا تُقاس بخطب قادتها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها. وعندما يصبح الموت في البحر أملًا أفضل من الحياة في الوطن، فذلك ليس فشلًا عابرًا، بل انهيار عقد الدولة مع شعبها.
إن غرق 72 شابًا وشابة ليس نهاية المأساة، بل إنذار أخير.
إنذار بأن سياسة الهروب إلى الأمام، وتصدير الأزمة إلى البحر، لن تُنقذ نظامًا، ولن تُخفي الحقيقة: هناك دولة دفعت أبناءها إلى الموت، وعليها أن تتحمّل المسؤولية.
قم بكتابة اول تعليق