كيف دجّنت الدولة العميقة المثقف الجزائري بالفتات والمناصب

✍️بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة

“الجنرالات والثقافة الميتة: من صنع السلطة إلى تدمير الوعي”

أيها الجنرالات، أنتم اليوم أكثر من مجرد قادة سياسيين، أنتم من دمر الوعي الجزائري، من فصل الثقافة عن السياسة، ومن حول الفكر الوطني إلى صمت جبان تحت وطأة السلطة. الثقافة ليست رفاهية يمكن شراؤها بالمال، ولا تكديس معلومات على رفوف جامعاتكم، ولا مهارة في كتابة نصوص لا يقرأها أحد. الثقافة هي وعي بالذات وبالتاريخ وبالمصير، وقدرة على تحويل المعرفة إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية. وأنتم اخترتم غياب هذا الوعي، فصرنا نعيش دولة بلا روح، ومجتمعًا بلا بوصلة، وأمة ضائعة بين القوة والجهل.

قبل الاستقلال، كان المثقف الجزائري يقاتل من أجل الحياة، من أجل التحرر أو الفناء، لم يكن يسأل: ماذا أكتب؟ بل: لماذا أكتب؟ ولمن؟ القلم كان امتدادًا للبندقية، والفكر أداة لتحرير الوطن، والخسارة الفردية مقبولة إذا استعاد الوطن معناه. أما اليوم، فقد أصبح القلم أداة تزييف، والمثقف تابعًا لكم، أو مطرودًا من مجتمع فقد هويته تحت وطأتكم.

أنتم سمحتم للإيديولوجيات أن تحل محل التفكير الحر: قومية بلا نقد، اشتراكية بلا عدل، حداثة بلا جذور، ليبرالية بلا سيادة. وحوّلتم المثقف من شاهد على الحقيقة إلى موظف في خطابكم، فصار يتحدث باسم التقدم وهو يخضع لكم، ينتقدكم كلاميًا بينما يطبّع صمته مع حكمكم، ويعيش صراعًا بين الولاء للسلطة والانتماء للشعب. أنتم من صنعتم هذا التناقض المؤلم، وأنتم من يتحمل مسؤولية الضياع العقلي والثقافي اليوم.

وأنتم أيضًا، عبر سياساتكم، زرعتم المثقف المزيف: يساري يدعي النقد لكنه يقطع صلته بالهوية، إسلامي راديكالي يحوّل الدين إلى أداة لتثبيت السلطة، وفرنكوبربري يشيطن العربية ويستبدل الاستعمار العسكري باستعمار رمزي ثقافي. هذه الفئات لم تنتج مشروعًا، بل خطابًا غريبًا عن الداخل، مفهوماً في الخارج، ومعزولاً عن الشعب، خطابًا يخدم الخارج ولا يخدم الوطن. أنتم المسؤولون عن صمت الداخل وعن التفاهة الفكرية التي تملأ الشوارع والجامعات والإعلام.

أنتم لم تواجهوا هؤلاء المثقفين، بل دجّنتموهم، وزودتموهم بالفتات والمناصب والمنصات. فضّلتم الولاءات على الأفكار، والمنفعة على المبدأ، والصمت على المواجهة. النتيجة؟ جامعات بلا مشروع، إعلام بلا ضمير، نقاشات بلا أفق، ونصوص بلا أثر. هذه الصورة السيريالية التي نعيشها اليوم هي من صنع أيديكم، أيها الجنرالات، بين السلطة والوعي، بين التاريخ والمسؤولية، بين الحياة والموت الرمزي للثقافة.

الجذر الحقيقي للأزمة هو غياب فكر مؤسس، فكر يجمع بين الروح الإسلامية والعقلانية النقدية، يحدد الهوية دون انغلاق، ويبني الدولة والسياسة على معنى، لا على رد فعل. أنتم اخترتم غياب هذا الفكر، وصنعتم دولةً على أساس القوة والهيمنة، لا على أساس المسؤولية والضمير. إن الثقافة التي يجب أن تحرر الشعوب أصبحت تحت سيطرتكم لعبة ترفيهية، وساحة مصالح شخصية، وحلبة قمع فكرية.

الثقافة لا تعيش بلا خطر، والمثقف الذي لا يخاطر لا يصنع التاريخ، بل يدوّن هوامشه. أنتم اخترتم الحماية الذاتية، وتفضيل مصالحكم على شجاعة الشعب، فأصبحتم شهودًا على موت وعي الأمة، لا حماة له. إن لم تُستعد الثقافة الجزائرية لشجاعتها الأخلاقية، سيظل المثقف شاهدًا صامتًا على الانحدار، لم يصنعه وحده لكنه لم يمنعه أيضًا. وهذه، أيها الجنرالات، هزيمة مميتة، صنعتُموها بأيديكم، بين السلطة والوعي، بين الحياة والموت الرمزي للثقافة الجزائرية، بين الإمكانات الوطنية الضائعة والطموح المحاصر.

✍️إمضاء: محمد بنهيمة_مدير الموقع بالنيابة

جميع الحقوق محفوظة ©__أجي تشوف لايف

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*