—بقلم: هئية التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
ما يقدّمه اليوتيوبر هشام جيراندو لم يعد مجرّد آراء صاخبة أو قراءات شخصية للواقع، بل أصبح نمطًا متكررًا من الخطاب العدائي القائم على الإيحاء، وتوزيع التهم الثقيلة دون أدلة، والتلاعب بعقول المتابعين عبر عبارات ملغومة من قبيل “قال لي واحد صاحبي”، هذا الأسلوب، مهما حاول صاحبه تغليفه بشعارات الجرأة وفضح الفساد، لا يمتّ بصلة لا للصحافة ولا للنضال الحقوقي، بل يندرج ضمن أخطر أشكال التشهير المقنّع.
استهداف اسم جمال لحرور، نائب وكيل الملك بالمحكمة الزجرية بالدار البيضاء، ليس تفصيلًا عابرًا ولا زلّة لسان، بل فعلٌ مقصود يقوم على رمي الإيحاءات الثقيلة وربط الأسماء بملفات وأشخاص آخرين دون أي وثيقة أو قرار أو حكم قضائي، وهنا بالضبط تتجلّى الخطورة: تحويل الشك إلى إدانة، والتلميح إلى “حقيقة” في ذهن المتلقي، مع الهروب المتعمّد من تحمّل مسؤولية التصريح الواضح.
الفضيحة الحقيقية ليست في الأشخاص الذين تُرمى أسماؤهم جزافًا، بل في هذا الانزلاق الخطير الذي يحوّل المنصات الرقمية إلى محاكم شعبوية، تُصدر أحكامها بالصوت المرتفع، وتُنفّذها بالتشهير، وتستمد شرعيتها من عدد المشاهدات لا من قوة الحجة، هذا ليس إعلامًا، بل عبثٌ منظم يضرب ثقة المواطنين في العدالة ويُسيء للدولة ومؤسساتها قبل أن يُسيء للأفراد.
حرية التعبير لا تعني حرية الاتهام، والنقد لا يعني القذف، و”الفضح” بلا دليل ليس شجاعة بل تهوّر محسوب العواقب، من يملك معطيات حقيقية عن فساد أو تجاوزات، فالدولة وضعت له أبوابًا واضحة: النيابة العامة، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وآليات التبليغ القانونية. أمّا القفز على هذه المؤسسات، والاحتماء بالكاميرا، فليس إلا إعلانًا ضمنيًا عن غياب الدليل وحضور النية السيئة.
الأخطر أن هذا الخطاب لا يستهدف شخصًا بعينه، بل يكرّس ثقافة التشكيك في كل شيء، ويغذّي مناخ العدمية، حيث يصبح كل مسؤول متّهمًا حتى إشعار آخر، وحيث تُهدم السمعة في دقائق، بينما يستغرق ترميمها سنوات. وهذه ليست معركة ضد الفساد، بل خدمة مجانية له، لأن الفوضى الإعلامية هي البيئة المثالية لانتشاره.
إن من اختار لعب دور القاضي والمحقق والجلاد في آن واحد، عليه أن يتذكّر أن القانون لا ينسى، وأن الكلمة حين تُطلق لا يمكن استرجاعها. التشهير ليس رأيًا، والإيحاء ليس دليلًا، وربط الأسماء ليس بطولة، البطولة الحقيقية هي أن تضع الملف على طاولة القضاء، أو أن تصمت.
القضاء يُحاسَب بالقانون لا باليوتيوب، والمؤسسات تُنتقد بالمعطيات لا بالإشاعات، ومن يملك الدليل فليتقدّم به علنًا، أمّا من يكتفي بالصراخ، فسيبقى صراخه شاهدًا عليه لا له. في دولة المؤسسات، لا شرعية لمحاكم البث المباشر، ولا حصانة للكلمة حين تتحوّل إلى سلاح تشهير.
قم بكتابة اول تعليق