عاد ملف البناء العشوائي ليطفو على السطح من جديد، وهذه المرة من قلب دوار “العراقي أولاد أحمد 2” التابع لجماعة دار بوعزة، ضواحي الدار البيضاء، حيث تتصاعد أصوات الغضب والاستنكار وسط مطالب ملحّة بفتح تحقيق شامل لكشف خيوط واحدة من أخطر مظاهر الفوضى العمرانية التي تفاقمت خلال فترة جائحة كوفيد-19.
الملف لم يعد مجرد حديث عابر بين الساكنة أو مادة للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحوّل إلى قضية رأي عام محلي تضع علامات استفهام كبيرة حول دور الجهات المسؤولة، وحجم التراخي — أو ربما التواطؤ — الذي سمح بانتشار بنايات عشوائية فوق أراضٍ غير مهيأة للبناء، في خرق سافر لقوانين التعمير.
خلال فترة الحجر الصحي، حيث انشغلت السلطات بتدبير حالة الطوارئ الصحية، تشير معطيات متطابقة إلى أن بعض الأطراف استغلت الظرفية الاستثنائية لتشييد مساكن دون تراخيص قانونية، مستفيدة من غياب المراقبة الصارمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل كان الأمر مجرد تقصير ظرفي، أم أن هناك شبكة مصالح نسجت في الخفاء لتسهيل هذا التمدد غير المشروع؟
الرأي العام المحلي لا يخفي غضبه، بل يطرح أسئلة مباشرة وصادمة: من منح الضوء الأخضر — صمتاً أو فعلاً — لهذا الزحف الإسمنتي غير القانوني؟
أين كانت أعين المراقبة حين كانت الأساسات تُحفر والجدران تُشيّد؟
ومن المستفيد الحقيقي من تفويت أراضٍ خارج الضوابط القانونية؟
مصادر محلية تتحدث عن شبهات تحوم حول وجود وسطاء لعبوا دوراً محورياً في تسهيل عمليات البيع والبناء، مستغلين حاجة فئات اجتماعية محدودة الدخل للسكن، في غياب بدائل حقيقية. هؤلاء الوسطاء، إن ثبت تورطهم، لا يمثلون فقط خرقاً للقانون، بل يساهمون في تكريس اقتصاد غير مهيكل يقوم على الفوضى واستغلال الهشاشة.
في المقابل، يرى فاعلون جمعويون أن اختزال الحل في الهدم أو المقاربة الزجرية وحدها لن يكون كافياً، بل قد يزيد من تعقيد الوضع الاجتماعي. فالمطلوب، حسب تعبيرهم، هو مقاربة شمولية توازن بين فرض القانون من جهة، ومعالجة الأسباب العميقة لانتشار البناء العشوائي من جهة أخرى، وعلى رأسها أزمة السكن، وارتفاع أسعار العقار، وضعف التخطيط الحضري.
كما تتعالى الدعوات إلى إيفاد لجان تفتيش مختلطة تضم مختلف المصالح المختصة، للقيام بمعاينة ميدانية دقيقة، وتحديد حجم التجاوزات، وترتيب المسؤوليات دون انتقائية أو تمييز. فربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد شعاراً، بل مطلباً ملحّاً لاستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الرقابة.
اللافت في هذا الملف هو أنه ليس معزولاً، بل يعكس ظاهرة أوسع تهدد التوازن العمراني في محيط دار بوعزة، التي تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً، في ظل ضغط ديمغرافي متزايد. وهو ما يجعل من التغاضي عن مثل هذه الخروقات قنبلة موقوتة قد تنفجر مستقبلاً في شكل أزمات اجتماعية وأمنية.
اليوم، الكرة في ملعب الجهات الوصية:
هل سيتم فتح تحقيق جدي يكشف كل المتورطين، مهما كانت مواقعهم؟
أم أن هذا الملف سينضم إلى لائحة الملفات التي تُطوى بصمت، تاركة وراءها مزيداً من الفوضى وانعدام الثقة؟
بين هذا وذاك، يبقى المؤكد أن صمت المسؤولين لم يعد مقبولاً، وأن زمن الإفلات من المحاسبة يواجه اختباراً حقيقياً في دوار “العراقي أولاد أحمد 2”… اختبار قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في تدبير ملف البناء العشوائي بالمنطقة.
جريدة أفريقيا بلوس ميديا – حاضرين مع الحدث ديما
قم بكتابة اول تعليق