أفريقيا بلوس / assabah.ma
انتشار أحياء عشوائية وتجنيد أشخاص عانوا الحجر أجهضا كل الحملات للقضاء عليها
لا أحد ينكر تراجع الجريمة بنفوذ المنطقة الأمنية مولاي رشيد، بالبيضاء، بعد فرض السلطات الحجر الصحي وإعلان حالة الطوارئ بسبب تفشي وباء كورونا، أواخر مارس الماضي، إذ انعدمت عمليات السرقات بالعنف، ساهم في ذلك انتشار كل التلوينات الأمنية بالشوارع وشن حملات ضد المخالفين، إلا أن ظاهرة ترويج المخدرات خرجت عن القاعدة وصمدت أمام الصرامة الأمنية، بعد أن نجح المروجون في استئناف نشاطهم بحذر شديد رغم الحجر الصحي، خصوصا بمنطقة الهراويين وأحياء لالة مريم والمسيرة ومولاي رشيد، قبل أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، بمجرد إعلان السلطات عن الرفع التدريجي للحظر الصحي.
بذلت مصالح الأمن بمولاي رشيد مجهودات جبارة في محاربة هذه الظاهرة، إذ لا تتوانى عناصرها في شن حملات دائمة لاعتقال المروجين، إلا أنها لا تحقق النتائج المرجوة، إذ بمجرد أن تنتهي الحملة يستأنف مروجون أو مساعدوهم النشاط من جديد، بسبب قلة الموارد البشرية والدعم اللوجستيكي، إضافة إلى انتشار الأزقة والممرات الضيقة، نتيجة البناء العشوائي، ما يفشل كل عملية مطاردة ومداهمة لمنزل مشتبه فيه.
قلعة المخدرات
تحولت منطقة الهراويين إلى قلعة للاتجار في المخدرات، منذ فترة طويلة، ساهمت فيها عوامل عديدة، منها تفشي الفقر والهشاشة بين قاطني المنطقة بنسب عالية وانتشار الأحياء العشوائية، إضافة إلى أن المنطقة يقتسم نفوذها الأمن والدرك.
خلال جولة بالمنطقة، تشعر كأنها تنتمي إلى عالم آخر، رغم مشاريع التهيئة التي ما زالت متأخرة عن الإنجاز، خصوصا، تعبيد الطرق والشوارع. الطريقة العشوائية التي بنيت بها أحياؤها، أثرت بدورها على طبيعة الأزقة والممرات، إذ تمتاز بالضيق وعدم التناسق، وفي المساء تعجز الإنارة العمومية عن رفع الظلمة عن المكان، ما يوفر كل الظروف لارتكاب الجريمة.
هذا الوضع بمنطقة الهراويين تحول إلى تربة خصبة لمروجين لمزاولة نشاطهم، إذ في ظرف قياسي سرقت المنطقة الأضواء من أحياء اعتبرت تاريخيا معقلا لترويج المخدرات، على رأسها أحياء درب الكبير بدرب السلطان، وتحولت منطقة الهراويين إلى قبلة ليس للمدمنين من كل مناطق البيضاء، فقط بل حتى مروجي المخدرات بالتقسيط، لاقتناء بضاعتهم بالجملة.
انتشر مروجو المخدرات بعدد من الدواوير والأحياء الشهيرة بالمنطقة، منها “دار الحمراء” و دوار “أولاد زهرة” و “با العربي” و”الحواتة”، القاسم المشترك بين مروجي هذه الأحياء عرض سلعهم علنا على طاولات بجانبها أسلحة بيضاء، في رسالة لأي زبون حاول التسبب في فوضى.
من باب الحيطة والحذر يستعين المروجون بمساعدين من أبناء المنطقة، يتولون مهمة بيع المخدرات وتسلم الأموال من الزبناء، وتنظيم عملية البيع، في حين يكتفي المروج بمتابعة تجارته المحظورة عن بعد، وعلى استعداد للتدخل في حال حدوث أمر غير متوقع.
إلى جانب هذه الدواوير، حافظ دوار “المديوني” التابع للنفوذ الترابي للدرك، بنصيبه من كعكة ترويج المخدرات، بعد أن احتفظ لنفسه بزبناء من المنطقة وأحياء وإقامات سكنية بنيت حديثا.
نساء وأطفال في خدمة “بزناسة”
استغلال الأطفال والقاصرين في ترويج المخدرات، كان عملة رائجة بمنطقة الهراويين، إلا أن الأمر استفحل أثناء الرفع التدريجي للحجر الصحي، بعد أن عانت أسر أزمات مالية إثر فرض حالة الطوارئ الصحية، إذ بعد أن كان هذا الأمر مذموما، تنافست عائلات على تقديم أبنائها لخدمة المروجين مقابل مبلغ مالي مغر يصل إلى 200 درهم يوميا، دون أدنى اعتبار للكلفة الباهظة لهذه الخطوة على المستوى الاجتماعي، بعد أن صارت للقاصرين سوابق عديدة.
إلى جانب الأطفال، دخلت فتيات في مقتبل العمر الخدمة، يحكي مدمن مخدرات لـ”الصباح”، أنه اعتاد اقتناء مخدر الشيرا من فتاتين، تعرضان كميات كبيرة من الشيرا تزيد عن ثلاثة كيلوغرامات، على شكل قطع معدة للبيع، دون خوف أو ارتباك.
من جهة أخرى، نجحت شبكة المخدرات في تجنيد نساء من مختلف الأعمار بالمنطقة، تم استغلال فقرهن ومعاناتهن بسبب الحجر الصحي، مقابل 100 درهم يوميا، إذ تم تزويدهن بهواتف محمولة، وتكليفهن بمراقبة الحي والشارع، وإشعار المروجين بأي حركة لرجال الأمن والمخبرين، وهو ما زاد في تعقيد مهام العملية الأمنية.
انتشار بأحياء مجاورة
ظلت منطقة الهراويين تهيمن على ترويج المخدرات قبل الحجر الصحي، رغم ظهور مروجين بأحياء لالة مريم والمسيرة ومولاي رشيد، إلا أنه بعد فرض الحجر الصحي، وما صاحبها من عراقيل صادفها المدمنون للانتقال إلى الهراويين بسبب الحواجز الأمنية، تم تغيير الوجهة صوب الأحياء المذكورة، لتشهد الظاهرة انتعاشة ملحوظة.
تخصص كل حي من هذه الأحياء في البداية في ترويج نوع معين من المخدرات، تمثلت في الأقراص المهلوسة ولصاق العجلات والشيرا، أما بعد الحجر صارت كل الممنوعات متاحة، من بينها الكوكايين.
من جانب آخر، استغل المروجون انتشار أسواق عشوائية بمحيط هذه الأحياء لترويج بضاعتهم، ما صعب مهام رجال الشرطة في التصدي لهذه الظاهرة، إذ كانت هناك مبادرات لإزالة هذه الأسواق بتنسيق بين مسؤولي عمالة مولاي رشيد والأمن، إلا أن أغلب هذه المبادرات لقيت مقاومة شديدة، لدرجة تنظيم وقفات احتجاجية في عز الجائحة، بحجة أن القرار يؤثر على المدخول اليومي لفئات هشة.
الأمن … مجهودات ولكن!
شنت مصالح أمن مولاي رشيد، الاثنين الماضي، حملة على معاقل المخدرات بمنطقة الهراويين، تحت إشراف شخصي لرئيس الشرطة القضائية، صحيح أن الحملة حققت نجاحها، إلا أنها ستظل مؤقتة. يكشف مصدر أن محاربة المخدرات بهذه المناطق تستدعي إنزالا أمنيا كبيرا ودعما لوجستيكيا مهما، تفتقر له المنطقة الأمنية، وهو ما تحقق في مناسبات سابقة شاركت فيها فرق للشرطة من ولاية الأمن، دكت قلاع المخدرات واعتقلت العديد من المروجين، منهم بارونات، وأنه حتى إنشاء دائرة أمنية بالهراويين، ليس كافيا للحد من الظاهرة، فقلة أفرادها وشساعة المنطقة التابعة لنفوذها، جعلتا مهامهم عسيرة، رغم كفاءتهم المشهود لهم بها.

قم بكتابة اول تعليق