مـــن أثـــر الـذكــرى

أفريقيا بلوس

 

لقد صادف هذا اليوم ذكرى وفاة والدي العزيز أسال الله العلي القدير أن يمطر عليه شآبيب الرحمة والغفران وأن يسكنه فسيح الجنان مع النبيئين والصديقين والشهداء من أهل الرضوان , فأبيت ألا أدعها تمضي كما مضت مثيلاتها من قبل إلا وأن أخط هذه الأسطر التي جادت بها تلابيب فؤادي قبل أناملي وكيف لا تجود وهي من غصة فراق الأبوة الغالية تـئـن , وإلى شوق اللقاء بها غداة غد يوما تـحـن, فآثرت أن أستهلها بعنوان (من أثر الذكرى) .

تطلعت إلى أركان حجرتي وفنائها الفسيح و أخذت أسترجع ما عشته فيها من أيام وليال فغاص فكري في عالم الذكريات وتاه في خضمها وكان أثر الذكرى مؤلما قويا فشرد ذهني وبقيت ضائعا بين متاهات الخيال بقيت أناجي النفس عما ولى و أدبر , أناجيها وحيدا كئيبا , والتفت من حولي فلم أجد إلا الوحدة ترافقنى و الماضي البعيد يحدثني , فتألمت كثيرا إلى درجة أني لم أعد أقوى على مواجهة حالي , ففتشت عن وسيلة تنسيني همي وأحزاني وتبدل طقس يومي ولون ساعتي إلى أن هداني فكري لأن اقصد البحر ونسيمه العليل , فاتجهت صوبه عساني أجد راحتي وأنسى ما بداخل نفسي وسويداء فؤادي , حتى وصلت أجر أقدامي ضعيفا يثقلني الفتور .

وبعد تأمل قصير جثمت فوق صخرة من صخوره وبقيت محدقا في تلاطم الموج المتكسر على الصخور ومياهه الهوجاء وهي بين مد و جزر متعاقبين , أنظر إلى طيور النورس المحلقة تارة فوق عباب الموج والنازلة تارة أخرى فوق الرمال المزينة بزبد البحر , بقيت ناظرا في سر هذا البحر العجيب ومكنونه الغريب وقلت بصوت خافت منهوك آه أيها البحر إنك تشبه غلياني و ضجوري مثيلي في وحدتي وانفرادي رفيقي في رحلتي و همومي , آه تكلم لماذا لا تجيب ؟ لماذا لا تشاركني حديثي ومناجاتي ؟ أتجيبني بأمواجك وصداها على الصخور ؟

نعم إني أعرف أن هيجانك لن يطول كثيرا ولن يصمد على حالته هاته , فهيجانك ما هو إلا بمفعول الرياح و زمهريرها وسرعتها التي تثير الغمام وتقوده إليك بغير زمام فإذا سكنت حركاتها هدأت معها وسكنت وعدت ضعيف مستضعفا .

فهل يكتب لنفسي أيضا أن تهدأ بهدوئك وتعرف السكينة والاطمئنان ؟ وهل يكتب لأشواقي العارمة أن تنطفئ ؟ أتمنى ذلك وأستطيبه وحبذا لو يتم , لكن كيف لذاك المقام وصول ؟ وهل إليه من سبيل أو دليل ؟ فهيهات هيهات , وكم ذلك مني ببعيد وكيف يمكن أن يتحقق وأنا أعيش على الماضي التليد و ذكريات من عاشه معي بسويعاته الحلوة وأيامه المستطابة فنعم ذاك الزمان الذي انقضت أيامه ولم تنقطع أثاره … ودعته يوم الفراق بعين جسمي لا بعين قلبي على أمل اللقاء به بدار البقاء أو كما جاء على لسان ابن زريق البغدادي :
ودعته يوم الرحيل ضحى … وأدمعي مستهلات وأدمعه .
ودعته وبودي لو يودعني … صفو الحياة وأني لا أودعه .

إنك بأمواجك العاتية المتوالية وأصواتها الصاخبة المتعالية ترجع بروحي وذاكرتي إلى أعوام خلت وسنوات مضت يمر شريط وقائعها أمامي وكأني أحياها اليوم من جديد , لكنها حياة روح بلا جسد وأحداث بلا عدد , فأنى لنفس أن تهدأ بلا سند ولا لبناء أن يعلو بلا عمد ؟ وأنا حينما أنبش ركام هذا الماضي الجميل يتبعني سيل ذكراه الجزيل جارفا قويا كأنه مازال ابن الأمس القريب بكل جزئياته وأدق تفاصيله .

تطلعت بعيني الفارغتين إلى الأفق و الريح تحرك جسدي الضعيف حتى تكاد تدفعني فتثير عميق أشجاني , نظرت حينها إلى السماء الملبدة بالغيوم وكأنها تعلم بأحوالي وتشاركني ألامي ولوعتي وتقاسمني همومي وأحزاني .

رميت بيدي إلى جيب معطفي الأسود وأخرجت كتيبا كنت قد حملته معي , فتصفحت أوراقه علني أعثر على موضوع يغير مجرى فكري وما يخالجني من خبايا وأسرار وما يراودني من أحاسيس وأفكار إلى أن استرعى انتباهي موضوع قيم بعنوان ( مع تيار الحياة ) , فاستهوت نفسي مابين سطور هذا الموضوع واستطاب فكري تدبر معانيه واقتباس حكمه وجدته بحق غذاء شهيا تاق إليه عقلي وبلسما عذبا نقيا حنت إليه جراح نفسي بعدما ألمها وقع الذكرى وأوجعتها لوعة الفراق , ولكن هذه سنة الدنيا دواما فراق بعد جمع واكتمال , وتلك طبيعة الأيام فينا يتبدد نورها بعد الكمال .

مضت الساعات بطيئة ثقيلة حتى خيل لي أن الزمان توقف عن حركته وسيره العادي , مضى يوما ثقيلا مضنيا وأنا أستأنس بصفحات كتابي حتى ساعة الغروب وقرص الشمس يعزف حينها لحن الوداع الحزين .

فجاء المساء واصفرت الشمس وقت الأصيل حتى غابت وراء الأفق إيذانا بسقوط ورقة من أيام عمري الذي لا أعلم كم بقي فيه من أوراق , وبرحيل أبي الغالي عنا بأصعب فراق , و أخد الظلام ينسج خيوطه الدامسة والليل يرخي سدوله الحالكة على هذا الكون , وعدت إلى مدينتي منهار الأعصاب ضائع القوة , نظرت بعيني الشاحذتين إلى السماء التي أخذت النجوم ترصع صفحاتها بألوانها المتلألئة وأطلقت بصري إلى عنان السماء متضرعا إلى الله بتلابيب قلبي عله يلهمني من عطاء صبره و وافر السلوان ومؤنسا نفسي بقول الشاعر :
أعـلل النفس بالآمــــال أرقبـــها …… مـــا أضـيق العيش لولا فسحة الأمــل

ذ بـدر الحلامـي
باحث في العلوم القانونية

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*