البوليساريو.. قطاع الطرق في القرن 21

أفريقيا بلوس

 

العملية النوعية التي قامت بها القوات المسلحة الملكية المغربية لفتح الطريق الدولية الرابطة بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، جعلت معبر “الكركرات” يكتسي شهرة كبيرة وتتحدث عنه وسائل إعلام عالمية وعن التدخل المغربي السلمي والمسؤول الذي تم وفق القوانين الدولية، كما تحدثت هذه المنابر الإعلامية عن أسباب التدخل المغربي، الذي جاء بعد أن قامت مجموعة تابعة لما يعرف بجبهة البوليساريو، بإغلاق الطريق الرابطة بين المغرب وموريتانيا، في تجاوز خطير للمواثيق الدولية التي تضمن حرية تنقل الأشخاص والبضائع بين الدول. مشهد لا يمت بصلة للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، ويعود بنا إلى القرون الغابرة التي كان يسودها قطاع الطرق.. فما هو معبر “الكركرات”؟ ولماذا أخذ كل هذا الاهتمام من قبل وسائل إعلام عالمية؟

“الكركرات” منطقة تقع في أقصى الجنوب الغربي للمملكة المغربية، إداريا هي تابعة لعمالة أوسرد وتقع في الدائرة الترابية لجهة الداخلة وادي الذهب، وهي واحدة من الجهات الإثني عشر التي يتضمنها الدستور المغربي الذي تم إقراره سنة 2011، وبهذه المنطقة يوجد معبر “الكركرات”، وقبل هذا المعبر، توجد منطقة عازلة لا يتعدى طولها 3.7 كلم وافق عليها المغرب برعاية الأمم المتحدة في إطار “اتفاق وقف إطلاق النار” الذي تم في 6 شتنبر 1991، وذلك رغبة من المغرب في إطلاق مسلسل المفاوضات لإيجاد حل مع الجارة الجزائر التي عمدت إلى تأسيس ما يسمى بجبهة البوليساريو غداة استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية بعد المسيرة الخضراء سنة 1975، ومن شأن هذا الاتفاق، حسب الرغبة المغربية، أن يفضي إلى إيجاد حل للمعضلة التي تقف أمام تفعيل اتحاد المغرب العربي، وانطلاق المسلسل التنموي في المنطقة المغاربية الذي تنتظره شعوب هذه المنطقة، وذلك لتطوير الاقتصاد والرفع من المستوى المعيشي، وهو ما يتطلب تعزيز التعاون الشامل بين الدول المغاربية، والمغرب كان دائما من أحرص الدول المغاربية على تفعيل اتحاد المغرب العربي، ولا تفوت أي مناسبة رسمية إلا ويعلن الملك في خطاباته، اليد الممدودة للجارة الجزائر من أجل التعاون المشترك.

في 11 غشت 2016، وأمام انتشار التهريب والاتجار في المخدرات الذي تقوم به ميليشيات البوليساريو، قام المغرب بتنسيق مع الأمم المتحدة، بتعبيد الطريق الرابطة بين نقطتي المراقبة المغربية المرتكزة أمام الجدار الأمني ومعبر “الكركرات” المتاخم لنقطة الحراسة الموريتانية، وهي منطقة تدخل في إطار المنطقة العازلة التي تستعملها قوات “المينورسو” لمراقبة سير وقف إطلاق النار، وبعد إتمام تعبيد هذا المقطع الطرقي الذي أصبح يتصل مع الجارة موريتانيا، تغيرت الخارطة الجغرافية للمسالك الطرقية، فأصبحت هذه الطريق هي الطريق الرئيسية في المنطقة، الشيء الذي جعل جميع المسالك الأخرى غير المعبدة التي كانت تستعملها ميليشيات البوليساريو، مكشوفة وأصبح من السهل التعرض للمهربين وتجار المخدرات، وأمام محاصرة هذه الممارسات المنافية للقوانين الدولية والمجرَّمة دوليا، اشتد الخناق على ميليشيات البوليساريو المدعومة من طرف الجارة الجزائر، فازدادت وضعية الجزائر والبوليساريو تأزما بعد توالي سحب العديد من الدول اعترافها بالكيان الوهمي، وفتح العديد من الدول الإفريقية والعربية قنصليات لها في العيون والداخلة. هذه العزلة التي أصبحت تطوق الدبلوماسية الجزائرية، والحصار الذي تمكن المغرب من فرضه على الممارسات المخالفة للقانون الدولي التي تقوم بها البوليساريو، جعل هذه الأخيرة، وفي موقف غريب يذكرنا بحقبة “قطاع الطرق” التي سادت في القرون الغابرة، تقوم بقطع الطريق في المنطقة العازلة بين الجدار الأمني المغربي ومعبر “الكركرات”، وهو ما أدى إلى توقف حركة الشاحنات والأفراد لمدة ثلاثة أسابيع، إلى أن تدخلت القوات الملكية المغربية بإرجاع الممر كما كان عليه الحال منذ ثلاثين سنة.

ما قامت به البوليساريو من ممارسات تجرمها القوانين الدولية، يدخل في نطاق ما تقوم به العديد من الميليشيات على الصعيد الدولي، التي تعيش خارج القانون الدولي وتحترف التجارة الممنوعة دوليا، كالتهريب والمخدرات، هذا السلوك معروف ومألوف لدى المنظمات الخارجة عن القانون، لكن يبقى السؤال المحير هو في الموقف الذي اتخذه النظام الجزائري، فهل هذا النظام يدعم ممارسات قطاع الطرق؟ هل يساند تجارة المخدرات؟ وهل يدعم التهريب؟ لماذا يساند هذا النظام ميليشيات تحترف كل الممنوعات الدولية بما فيها التعامل مع المنظمات الإرهابية التي تنشط في الساحل الجنوبي للجارة الجزائر، وهي أول من يعرف عدد أفراد ميليشيات البوليساريو الذين التحقوا بهذه المنظمات الإرهابية؟

بعد تحرير معبر “الكركرات”، لم يبق أمام ميليشيات البوليساريو سوى خطابات الحرب وصور جنود بلباس عسكري جزائري وسيارات حربية من تمويل جزائري، والكل يُجمع على أن قرار السلم أو الحرب ليس في تندوف، وإنما هو في العاصمة الجزائر وخاضع لموازين القوى الدولية. هذه الأخيرة تعرف جيدا بأن الميليشيات التي تدعمها لا حول لها ولا قوة أمام الجدار الأمني الذي أبدعت فيه القوات المسلحة الملكية المغربية، أضف إلى ذلك الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر، والوضعية الصحية التي يمر منها الرئيس الجزائري، والذي نتمنى له الشفاء ودوام الصحة والعافية.. كل هذه الأمور تجعل ما تقوم به البوليساريو لا يخرج عن نطاق نفخة الديك الرومي التي يقوم بها الضعيف المهزوم، فالمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها..

بقلم: سعيد الغماز

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*