أفريقيا بلوس _ الأسبوع اللصحفي

بقلم: الحسين بوخرطة
دشن المغرب مسلسل اللامركزية مبكرا، إلى درجة تفاجأت الأحزاب الوطنية بميثاق الجماعات المحلية لسنة 1976، بحيث دخلت في منعطف جديد شعاره “ضرورة المشاركة في التدبير التنموي المحلي”، مع أخذ الإجراءات اللازمة لتحويل هذه المشاركة إلى فعل نضالي جاد، وبالتالي، تمكين المواطنين من تذوق لذة الديمقراطية في معيشهم اليومي، كأفراد وجماعات بالعالمين الحضري والقروي.
إنه الانشغال السياسي القوي الذي تم الالتزام به حزبيا لتفادي تحويل الديمقراطية، كأحسن نظام نسبيا وصلت إليه الإنسانية، إلى آلية جهنمية تكرس التواطؤ على حساب الانتداب الشعبي والتمثيلية الترابية بشقيها المعرفي والتنموي، وبالتالي، اختزال دورها في مجرد وسيلة تتشكل وتتوسع من خلالها الخاصة، أي النخب الموالية، لفرض منطق استغلال العامة على أساس نتائج صناديق الاقتراع المفبركة، ولقد برز منذ البداية، في صفوف قيادات الأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية، شعار ضرورة مواجهة رواد تكريس الابتذال، وكل تبريرات التكيف والحاجة إلى تأقلم النخب مع منطق مختلف الفئات الاجتماعية باعتماد خطابات التعاطف مع الذين لم تنصفهم الحياة والمجتمع، بدلا من ترسيخ التفكير في النضال والالتزام، وربط السلطة بالدولة والثقافة معا، وإنتاج المعنى للتغيير المطلوب على أساس القيم الكونية التي تتطور بسرعة فائقة، وإعداد المواطن ليكون فاعلا ومحررا من كل السلط التي تكبله، وتخنق قدراته وإمكانياته الكامنة، والعمل على ارتقاء وعيه إلى مستوى تخليص الشخصية المغربية من آفة التركيب المعقدة، التي تمتزج فيها التقليدانية بالحداثة وقيم التضامن بصنفيها المتضادين، العضوي والآلي.
إن الحاجة الاستعجالية إلى نسق فلسفي جديد للتعاطي مع واقع الشمولية والشبكات الواقعية والافتراضية، وتأثيراته على واقع الأفراد والجماعات ودينامية المجتمعات، وخلقه لتشكلات وبنيات وهياكل وتيارات ثقافية جديدة بخاصيات استهلاكية مزعزعة لليقينيات والوثوقية، أفرزت إلى واجهة النقاش الوطني إشكال منطق قيادة التغيير في العشرية الثالثة من العهد الجديد بالشكل الذي تنتصر فيه مصلحة الأمة بربط وجودها بمشروع تنويري عقلاني واضح المعالم، مشروع يبعدها بشكل نهائي عن التقلبات الفئوية المصلحية بشقيها السياسي والإيديولوجي، وعن عواقب الارتجال والمسايرة العمياء. إنها القيادة التي يجب أن تضمن الكفاءة اللغوية والعلمية لأجيال الشباب المتعاقبة، وتساهم في امتلاكها للقدرة التعبيرية والتواصلية والتفاوضية بثلاث لغات على الأقل (العربية والفرنسية والإنجليزية)، والاستعداد لتجاوز ما عاشه المغاربة من صراع جعل النخب بالجامعات تمر من يقينيات الماركسية إلى بروز الإيديولوجية الدينية، لتجد هذه الأجيال نفسها أمام حروب فكرية لا يمكن الصمود أمامها إلا من خلال تحويل المؤسسات الوطنية إلى أجهزة للحكامة الجيدة، بآليات مبتكرة ومتطورة، ترفع من مستوى القدرة الذاتية إلى أعلى مستوياتها، سواء تعلق الأمر بالقدرة على التعبئة والتكامل، أو ديمومة النجاعة في تفعيل توصيات ومقترحات تقارير اللجن الملكية المختلفة، بدءا من لجنة مدونة الأحوال الشخصية، مرورا بتقرير الخمسينية، وتقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهيئته التقييمية، ووصولا إلى تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد. إنها التطورات التي جعلت ركائز الاقتصاد العالمي والقطري لا تحتمل إلا المعرفة والرقميات والصداقات والتفاعلات الملتصقة بالشاشات الإلكترونية، وفرضت أوضاعا جديدة لا تسمح بمزيد من هدر الزمن التنموي، وتطالب بإلحاحية التجند الفوري لتفادي توسيع الهوة ما بين التفوق التكنولوجي والمعرفي العالمي وأوضاع المجتمع المغربي، وبالتالي، تقوية مناعة أفراده تجاه خطابات الكراهية والتفاهة والتبخيس.
والمغاربة يستحضرون هذه الرهانات والتحديات، تبادر إلى ذهني اليوم الذي سئل فيه وزير الداخلية إدريس البصري عن طول فترة اعتماد الوصاية على الجماعات المحلية بآلية المراقبة والرقابة القبلية، وأجاب بأريحية آنذاك، أن “المغرب لا زال في مرحلة ترسيخ اللامركزية”، فبالطبع السؤال بجوابه لم يكن سوى بريق لمياه بحار ومحيطات السياسة العميقة، مياه تختزن في جوفها وأعماقها منطقا معقدا للغاية، لا يمكن حتى للنبيه أن يدرك كنهه، ليسود الانطباع مجتمعيا عن آفة تشديد الحراسة على المصالح النفيسة وما تحدثه من صراعات، ليشتد مع مرور الزمن السياسي التحكم بالدقة المتناهية في منطق صناعة النخب. لقد كان موضوع أغلب التحليلات ينصب حول مسألة تحقيق النجاح في ربط الممارسة السياسية التشاركية بدخول حلبة الصراع على الأدران أو الأجزاء الصغيرة، أو الفضاءات الضيقة التي لا تستوفي بطبيعتها الشروط الضرورية لصناعة فعل نضالي أو تنموي مؤثر بالقوة اللازمة في مجريات الأحداث، كما راج في الرأي العام أنه كلما ازدادت الشمس شروقا وارتفعت حرارتها، زاد سطح المياه بريقا. إنه البريق الذي تشتد حدته إلى درجة حجب خبايا الفعل السياسي الباطني عن العيون والعقول..
لقد تميزت قيادة التدبير السياسي طول نهار أيام أربعين سنة، بالدقة المتناهية، ليعقبها القمر كل يوم بضيائه المنير، لتستسلم نفوس العامة للنوم الثقيل، وعيون المناضلين الصادقين للأرق وكوابيس النوم المخيفة، وما يترتب عنها من معاناة نفسية دائمة، أما حيتان باطن المياه، فلا تنام إلا بعد التأكد من صلابة الحراسة، وتنظيم صفوف نخبها الموالية، والمصادقة على الاستعمال الزمني لمداومة رجال إدارتها النبهاء، الذين لا يسلمون رخص الغوص في الأعماق، تحت شرط تحديد المسافات المسموح بها إلا بعد التأكد، باليقين التام، من توفر شرط ارتباط التفاعل السياسي بالنزعات الفردية، وهواجس توسيع هوامش الفعل محسوبة المساحة، وقبول تأطير الممارسة بمنطق النسق السياسي السائد.. النسق الذي كان مهووسا، ليل نهار، بمستلزمات الاستمرارية الضامنة للاستقرار ومصالح الفئات السائدة، وقيادة التغيير بالخطى المحسوبة والدقيقة، وهو النسق الذي لا يسمح كذلك، بفعل انعكاس بريق الخطابات والشعارات والنضالات المعلنة، والتي نجحت في إنتاج نوع من الانعكاس الجذاب والساحر على المحيط الخارجي للمياه بطبيعته ووعي فاعليه ونشوب الصراعات العنيفة بين صفوف المناضلين التي تميزت بالحدة في ظاهرها، والهامشية في قيمتها، إلا بالتدافع التفاعلي القابل للقياس، والذي لا يتجاوز بصداه ومداه ما تمت تسميته في القاموس السياسي المغربي بالخطوط الحمراء. إنه الصراع الذي يجب أن يبقى على سطح المياه، الساطع في مظهره، والبائس بقيمة أدائه التنموي وانحرافه عن الأهداف النبيلة للعمل السياسي، لينغمس في منطق الصراع العقيم على المصالح الأنانية، وتفضيل إرسال الرسائل للحيتان الضخمة التي يعبر من خلالها الفاعل المشارك عن إدراكه النسبي لمنطق ممارسة السلطة معلنا عبارة “ها أنذا، فاسألوني ماذا أريد؟ لأجيبكم بطريقة فنية أنني أطمح في التقرب إليكم ومساعدتكم إذا قبلتم، وألتزم أمامكم أنني لن أتجرأ يوما لأبعثر لكم أوراقكم”..
إن توفير شروط التفاعل على أساس هذا المنطق، وقيادة التغيير بالنويات (جمع نواة) الترابية الصلبة المضمونة، مكن فاعلي العمق من التحكم في قيادة الأوضاع وهم جالسون في منصات خاصة راقية وعالية للتمتع بمباريات الصراع السياسي.

قم بكتابة اول تعليق