لهذه الحصيلة “الكارثية”، أصبحت إقالة ميراوي ضرورة وطنية ملحة

أفريقيا بلوس : بقلم: أحمد مفتقر

اتسمت السنة الجامعية المنتهية 2021-2022 بانتكاسات وتراجعات وانزلاقات خطيرة، قل نظيرها، كما عكستها الحصيلة العجفاء، بل والمقلقة إلى درجة الخطر الأحمر، لعبد اللطيف ميراوي على رأس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والذي استطاع، في وقت وجيز، أن يخلق حالة من عدم الاستقرار والاحتقان الاجتماعي وأن يوقف الدينامية والتعبئة التي انخرط فيها القطاع بكل مكوناته التربوية والتدبيرية.
فعوض ترصيد وتثمين المكتسبات التي تم تسجيلها خلال السنوات الأخيرة، من برامج ومشاريع ومبادرات، والانخراط في مسلسل الإصلاح الذي أتى به القانون-الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي لوضع حد، كما جاء في خطاب العرش لسنة 2015، ل”الدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح إلى ما لا نهاية”، أقدم الوزير ميراوي على طمس معالم كل ما اعتبره مخططات أسلافه، متكبرا ومتنكرا لتوجيهات صاحب الجلالة الذي شدد، في خطاب 20 غشت 2013 الذي تزامن مع الذكرى الستين لثورة الملك والشعب، على أنه: “من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد، خلال كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة، علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها. لذا، فإنه لا ينبغي إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية”.
الأخطر من ذلك هو دعوة ميراوي الجهرية لمسؤولي القطاع إلى التراجع عن أحكام القانون-الإطار الذي لا يعترف به بالمرة وعلى كل المشاريع المهيكلة التي التزمت الجامعات بتنزيلها على شاكلة عقود تنمية، وفق برمجة على ثلاث سنوات، بل، والأفظع من ذلك، منع الإدارة المركزية من الاستناد عليه وحتى ذكر اسمه الذي وصل حد “التجريم”، متناسيا أن الأمر يتعلق ب”إطار تعاقدي وطني ملزم”، له ولمن سيخلفونه، بحكم أنه إرادة ملكية سامية وأنه تم اعتماده بالمجلس الوزاري والبرلمان بغرفتيه وأنه تم نشره بالجريدة الرسمية.
للإشارة، فقد سبق لعبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في التقرير السنوي للبنك المركزي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2021، أن أشار إلى أن “العديد من الأوراش التي توجد قيد الإنجاز لا تأخذ بالاعتبار هذه المتطلبات الأساسية بالشكل الكافي، علما أن هذه المشاريع تكتسي أهمية قصوى تستدعي تنزيلها في أسرع الآجال”، معتبرا أن “إصلاح قطاع التعليم خير مثال على ذلك”. وفي هذا الصدد، يضيف التقرير، “فهذا الإصلاح الذي يفترض أن يعكس رؤية تمت صياغتها منذ عدة سنوات وتحويلها إلى قانون إطار تم اعتماده سنة 2019، ينفذ اليوم على شكل إجراءات، حتى وإن كانت مناسبة، تبقى صعبة التحديد ولا يجري تتبع تنفيذها استنادا إلى الأهداف والآجال المسطرة”، مضيفا، في ذات السياق، أن إصلاح قطاع التعليم “يعرف تنفيذه عدة تغييرات، مما قد يضعف التعبئة الضرورية لتحقيق أهدافه الطموحة”.
في نفس السياق، وفي امتداد ل”عجرفته الاستثنائية” التي اكتشفها أطر القطاع والرأي العام الوطني ولسياسته “غير المفهومة” لطمس ملامح برامج سلفه، طلب عبد اللطيف ميراوي، منذ أيامه الأولى على رأس الوزارة، من رؤساء الجامعات توقيف العمل بنظام الباشلور الذي، للمفارقة العجيبة، يعد محورا مهما في برنامج الحكومة التي ينتمي إليها وكأنه غير معني به، معتمدا، في قراره الذي صدم 24.000 طالب مسجل في مئات المسالك المعتمدة بمختلف الجامعات العمومية، على رأي “محاباة”، “قيم ما لم يتم إطلاقه بعده”، والذي، للإشارة، لم يدعو قط إلى تعليق العمل به، غير مكترث بعقبات قراره على مستقبل الطلبة وحتى على علاقة ثقة الشباب في مؤسسات الدولة.
يتساءل متابعو الشأن الجامعي بإلحاح، ونحن على بعد أيام معدودات عن الدخول الجامعي، عن البديل البيداغوجي الذي جاء به ميراوي، مقابل سياسته المبنية على الإلغاء والتعليق والتوقيف: أين هي جامعته “النظرية” 4.0 التي أقام الدنيا وأقعدها من أجل أن يسوق لها كنموذج جامعي جديد والتي تثير، في عديد الأحيان، الاستخفاف وحتى الضحك من قبل الأطر البيداغوجية؟!! أين هي مهاراته الناعمة والتي يفضل أن يسميها بغير الناعمة، أو Power Skills حسب تعبيره، لأجل فتح مجال وهمي للخيال بالنسبة للملقي والمتلقي وتقديم شخصه كفيلسوف زمانه؟!! كيف ينوي التصرف في الميزانية الضخمة التي طلبها لرئيس الحكومة والتي تتعدى ال14 مليار درهم، مع العلم أنه، كما أشار إلى ذلك لدى أطر الوزارة، ينوي إطلاق طلبات عروض من أجل تطوير منصات التعلم عن بعد، أو، بطريقة أوضح، إطلاق عملية “سمسرة” مع فاعلي القطاع الخاص على حساب أساتذة التعليم العالي؟!!
لم يقف ميراوي عند هذا الحد، بل “استفز” بقراره القاضي بتعليق إحداث 34 مؤسسة للتعليم العالي بكل ربوع المملكة المنتخبين والسلطات الترابية، من جهة، والطلبة وأولياء أمورهم، من جهة أخرى، في ضرب صارخ وغير مفهوم لمبدأ العدالة المجالية التي وجب تكريسها وللجهوية المتقدمة التي وجب ترسيخها وفي تناف مع التزامات الدولة التي تم التوقيع عليها في اتفاقيات ملزمة وتم التأشير عليها من قبل المسؤولين الجهويين ومن قبل وزارتي الداخلية والمالية، وبالرغم من رصد الدولة، في ميزانيتها لسنة 2022، لأزيد من 600 مليون درهم لهذه الغاية، دون أن يقدم لا توضيح في هذا الشأن ولا بديل لقراره “الغريب”.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*