حرب غزة.. متى تفهم حماس أنها تستنزف الشعب الفلسطيني بدل استنزاف الاحتلال الإسرائيلي

أفريقيا بلوس ميديا

ترتكبها قوات الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني ردا على الهجوم الذي شنته حركة حماس باسم “طوفان الأقصى”، أن يقفز بعض هواة السياسة المتشددين، مغاربة وعربا، فيمطروني بأرذل النعوت وأحقر الصفات بعد أن يُمشتقوا سلاح العروبة  والهوية والإسلام، ضمن قناعة وهمية يروج لها التنظيم الإخواني الدولي: “إما مع حماس أو خائن وإما مع طوفان الأقصى أو كافر”. ورأيي مهما سيقال، هو أن حماس حرّفت المقاومة عن مسارها الصحيح، وفوّتت على نفسها، من خلال عملها القتالي غير المحسوب،  فرصة اكتساب نقط ارتكاز قوية في المشهد النضالي الفلسطيني بالنظر لعدالة القضية التي تدافع عنها، وبالنظر أيضا للدعم السخي الذي يتقاطر عليها من أطراف عدة دول عربية وغير عربية.
حماس وهي واحدة من أهم فروع التنظيم الإخواني الدولي، لم تُحسن الاستفادة من هذين العاملين، وتحوّلت منذ استحواذها على قطاع غزة بقوة السلاح، بعد حربها على حركة فتح سنة 2007 فيما يُعرف بـ”الحسم العسكري”، إلى ما يشبه الكيانات الجهادية غير البعيدة في قناعاتها وإيديولوجياتها  عن الحركات  الإسلامية المتطرفة. وقد ارتمت منذ 2007 في أحضان إيران التي تُجيّشها وتأمرها كلما اقتضت الضرورة الجيوسياسية ذلك، بالإنابة عنها في قتال إسرائيل في عقر دارها بعد أن عجزت هي عن مواجهتها مباشرة.
أمثلة كثيرة تُكرس هذا الواقع، سواء في الحروب الأربعة التي نشبت بين حماس وإسرائيل من دون مشورة أو حتى مجرد إخبار حكومة رام الله والسلطة الفلسطينية المعنية الرئيسية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو في الكثير من القرارات الداخلية التي تتخذها ضدا على رئيس السلطة، محمود عباس، أو أخيرا في هجوم السابع من أكتوبر الذي شنته من دون أن تضع في حسبانها حجم المجازر التي سيرتكبها الاحتلال الإسرائيلي من البر والبحر والجو، وحجم الدمار المهول الذي سيُلحقه بقطاع غزة. بل لم تضع في الاعتبار ما سيؤول إليه مصير مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قد يصبحون بلا ماء ولا كهرباء ولا غذاء ولا دواء. وعوّلت كما حدث في الحروب السابقة، على تدخل قوى إقليمية ودولية مثل مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية لتهدئة  الأوضاع ووقف الحرب ومداواة جراح تبعات مغامراتها.. لكن حساب الحقل جاء هذه المرة على غير حساب البيدر. فلا مصر أو قطر صانعتا الهدنة في الحروب السابقة، تمكنتا من وقف مشاهد انتشال الأطفال من تحت الأنقاض، ولا روسيا أو الصين نجحتا في إقناع إسرائيل بقبول هدنة إنسانية ولو لأيام. والخاسر في كل هذا شعب غزة الذي لا يملك من البنيات التحتية ما يساعده على التحمّل، لاسيما وأن حماس لم تستثمر، منذ استيلائها على السلطة،  في  قطاعات الصحة والتعمير وبناء الملاجئ للمدنيين في حال الاحتياج، وغير ذلك من البنيات التحتية الأساسية، بل وظفت معظم مواردها في العسكرة والتجييش.
هي المرة الخامسة التي تتسبب فيها حماس بدمار كبير لقطاع غزة ولأهلها مقابل صفر مكسب على الأرض،  صفر إنجاز وصفر شبر محرر. ومقابل مزيد من التشريد والتهويد والدمار. وأخشى مع الضرر الهائل لأهل غزة ولحركة حماس نفسها ولكافة الشعب الفلسطيني،  أن ينهض قادة حماس والجهاد الإسلامي بمجرد التوصل إلى هدنة مستبعدة جدا بل مستحيلة في الوقت الراهن، ليرددوا في تجمعات خطابية، كعادتهم في كل الحروب السابقة :”انتصرنا .. انتصرنا”، غير آبهين بالمجازر والإبادة التي لحقت بشعوبهم، وكأن كل الأرواح الفلسطينية وكل الدمار لا قيمة لهم أمام ملحمة السابع من أكتوبر والملاحم السابقة، علما أن إعادة الإعمار ستتحملها السلطة الفلسطينية الرافضة بشكل مطلق للكفاح المسلح غير محسوب العواقب الذي تشنه حماس بأوامر من الخارج، بعيدا عن الإجماع الفلسطيني الذي هو أكثر من حيوي في مثل هكذا قرارات مصيرية. كما ستتحمله دول عربية غير متفقة مع نهج حماس.
لن أكون متحاملا في شيء على حماس إذا قلت إنها ترجح القوة على أي أفق سياسي لتسوية عادلة، حيث ترى خرافيا، مثلما ترى إيران، أن حل القضية الفلسطينية يكمن في إزالة إسرائيل من الخارطة الجغرافية بالمنطقة، على غرار رؤية تنظيم القاعدة أيضا بشأن تدمير الحضارة الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وهي رؤية نجحت في تحويل فلسطين إلى مجتمع ميت سياسيا ومثقل بهمومه المعيشية ومخاوفه الأمنية اليومية، وأغلقت أمامه كل آفاق حلول ملموسة واقعية مثل حل الدولتين الذي ينشده العالم من أقصاه إلى أقصاه. مثل هذه الرؤية أعطت أيضا للاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر لممارسة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين والدّوس على كل القوانين الإنسانية والأعراف الدولية.
لم تأخذ حماس العبر والدروس من الحروب الأربعة السابقة، ولم تتعلم من تجارب الكيانات الجهادية الفاشلة التي جلبت الدمار للمنطقة العربية دون مكاسب ملموسة على الأرض. بل ذهب تهور قادة حماس وانبطاحهم لإيران إلى حد إقران اسمها بتنظيم القاعدة في أفغانستان وتنظيم داعش في سوريا والعراق، بدل أن تكون حركة مقاومة مشروعة ذات خصوصية نضالية مستقلة ترفض حسابات المحاور والفتاوى من الخارج. كما لم تفهم أن الاستمرار في تقديم الشهداء والدمار والتضحيات بلا مكاسب سياسية أو عملية هو استنزاف للشعب الفلسطيني بدل أن يكون للاحتلال الإسرائيلي.
ولم تكلف حماس نفسها في يوم من الأيام عناء قراءة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الطويل قراءة واعية دقيقة، لتدرك أن في جميع مراحله، نصرا أو هزيمة، تحكمت فيه موازين القوى الميالة لإسرائيل التي لم تحارب وحدها أبدا، بل كان إلى جانبها الغرب والشرق معا. ومن هنا فوّت قائد حماس، إسماعيل هنية،  ومن  معه من قادة حمساويين مسكونين بالوهم الإيراني بزوال إسرائيل، فرصا ثمينة للتلاحم الوطني الفلسطيني ضمن هدف وطني مشترك وتحت مظلة  فلسطينية واحدة موحدة.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*