أفريقيا بلوس ميديا
متابعة : محمد بنهيمة
باسم الله الرحمان الرحيم
” موكب نفرتيتي “
كانت ليلة الاستعداد للسفر بالنسبة للفتى كعرس السندريلا في مخيال العذارى ، قضاها حالما يهيم وجدانه الغض في عوالم من الصور والرؤى الكرزية ، تداعب مخيلته الفتية كهزارات أسكرتها الربى الفائرة في عز الربيع .
ليلتها أشرقت الأضواء ببيت الخال ، وعبقت أركانه بحبات اليانسون والبسباس تنسم أقراص الكعك الشهية .
صحى الفتى باكرا ، أو بالأحرى أيقظوه ، ولم يستوعب أكان أسير الكرى ، أم أسير ثمالة أحلام عاقرها حتى تسنم الشروق .
كانت الرحلة إلى البادية تستغرق يوما كاملا ، رغم أن قرية الوالدين ” أولاد سعيد ” ضواحي مدينة سطات لا تبعد عن الدارالبيضاء إلا بحوالي تسعين كيلومترا ، وكان لابد من أخذ حافلتين ، الأولى من درب مولاي الشريف إلى درب غلف حيث محطة” عريبات ” ، والثانية من المحطة إلى القرية .
انطلقت الحافلة بعد ثلاث ساعات ، وما إن خلت العمران وتوغلت البراري ، حتى تسمر الولد أمام زجاج النافذة يشرئب بكل ملكاته الغضة الهائمة ، لا يرمش له جفن أمام هذا الجمال السريالي المتدفق كسيل من فلكلور أسطوري.
لأول مرة بدت للفتى حقول القمح الذهبية الممتدة كبسط من عسجد ، تنتصب بها سنابلها خاشعة في شموخ ، تتهادى كضفائر شقراء تداعبها نسيمات الأصيل ، وتهمس لها بالغزل . وبدا فيح القيض متوهجا على البيادر والحقول كأنما تغشاها لجج رقراقة ترصعها في عيني الفتى ، حتى لا يكاد يستشعر حرا أو هجيرا .
تاه ما فضل من لباب في الولد وهو يرى الأنعام كما هي من غير مجسم من دمى أو ورق ، وتمثل فيها على صغره قوله تعالى ” ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ” ، وقوله عز من قائل ” وإن لكم في الأنعام لعبرة ” .
غيض الولد في ذهوله وهو يتملى البدو من حوله أو من نافذته، بسحناتهم السمراء التي أمعنت فيها أنامل الشمس فأحالتها إلى رسم برونزي من الزيت والكاكاو ، وبعمائم تجسد شموخ الفرسان وضبح العاديات، يتمنطقون محافظ جلدية هي للمال والزاد معا ، مع نساء منقبات يتلفعن حياكا ببياض أنهكه الزمن ، حتى غدا ممتقعا كأديم صب أذكاه الوجد.
ولما أناخت الشمس سفورها الذي أشعل النهار وهجا ، ومالت حيية تبغي خدرها ، توقفت الحافلة بين حقول تتغنج حسنا كغوان أندلسية ايذانا بالوصول ، وتراءى للفتى طيف جدته “نانا” وهي تلوح بيديها من فرط حبورها ، وبجانبها خاله الصغير محمد ، يقود حمارا بشوال لحمل الحقائب .
غاص الولد في حضن جدته يتأرج روائح الحناء والقرنفل التي آنسها منها،
ووطأت قدماه لأول مرة ترابا ناعما نقيا ، بني اللون كقطف من شوكولاطا سانتا كلوز ، تعانقه سيقان السنابل وقد فجرت فيها مناجل الحصادين كغيد أطبقت عليها أحضان شبقة.
انطلق الموكب مبتهجا كعرس نفرتيتي بطقوسه الفرعونية ، يبغي بيت الجدة أو ” الخيمة”…يتبع


قم بكتابة اول تعليق