أفريقيا بلوس ميديا/ تحرير: محمد بنهيمة
أصبح من المعتاد أن نسمع في الشوارع والأحياء والأزقة … العبارة التهديدية الدارجة (نخسر لك وجهك)، وذلك بمناسبة المشاجرات والملاسنات الكلامية وما يصاحبها من تهديد ووعيد، وخاصة مع تفشي حمل الأسلحة البيضاء والتهديد باستعمالها، وهي تعبر بقوة عن الاستهانة بسلوك الضرب والجرح والعنف الجسيم الذي يمس الوجه، ولعل القاعات الجنحية بمحاكمنا شاهدة على ذلك، وكذا صفحات المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل لنا أخبار تعرض زوجة أو أنثى أو رجل لاعتداء خطير على الوجه بالسلاح أو تشويه بالمواد والحوامض الحارقة أو غيرها، مما يستدعي التصدي لهذه الظاهرة بما يلزم من حزم و صرامة عسى أن يتقلص حجم الظاهرة ويقل عدد ضحاياها من النساء والرجال.
وتناولنا لهذا الموضوع يجعل فصلا بعينه من فصول القانون الجنائي المغربي يشرئب ويطفو على السطح، طالبا وضعه في موازين الواقع والقانون والعمل القضائي، وهو الفصل 402 من ق ج… و سننتصر عبر هذا المقال لتصور فيه قدر من الصلابة الجنائية، تمليه دواعي الردع العام والخاص،
وقبل ذلك دعونا نحدد الواقع الحالي الذي يحتاج إلى تغيير جذري عن طريق الاجتهاد القضائي والفطنة التشريعية.
الوضع الحالي لجريمة العنف الجسيم المسلط على الوجه:
إن الدقة التي يطالب بها رجال القانون تفرض علينا نوعا من التحديد المبدئي للجريمة المتحدث عنها، ونحن هنا لا نتحدث عن الإيذاء أو العنف أو الجرح الخفيف الذي يمس الوجه والذي تنجم عنه مجرد كدمات لحظية أو خدوش بسيطة تلتئم بين عشية وضحاها، ولكن حديثنا ينصب على العنف الجسيم المسلط على الوجه الذي يخلق أخاديد أو تشويها جسيما أو ندبة في الوجه ( Cicatrice) تؤثر على جماليته أو مظهره الخارجي، ولا يتصور هذا غالبا إلا باستعمال السلاح الأبيض أو آلات حادة أو مواد حارقة، وحتى نضع القارئ أمام صورة واضحة للوضع الحالي لهذه الجريمة نرى أن معالجتها سيكون من زاويتين :
* زواية القانون: ما يؤسف له حقا أن يكون لهذه الجريمة الشنعاء وضع غير مناسب في قانونا الجنائي، فهي تدخل في عداد الجرائم العادية للضرب والجرح والإيذاء المنصوص عليها في الفصلين 400 و 401 من ق.ج… ويعطي لها وصف لا يناسبها البتة وهو وصف الجنحة،
فهي لا تحظى بخصوصية قانونية معينة، وتتم مساواتها بالجريمة التى تطول بقية أعضاء الجسم، ويسند الاختصاص بشأنها إلى المحاكم الابتدائية ممثلة فى الغرف الجنحية، بعد أن ترفع الشكايات المتعلقة بها إلى النيابات العامة لدى المحاكم الإبتدائية.
* زاوية الواقع: هذا الواقع الذي يصدع باستفحال هذه الجريمة، وبواعث ذلك لا تخفى : فمن جهة يفضل الجاني توجيه العنف إلى الوجه دون أي عضو آخر من أعضاء الجسم، وذلك لزيادة النكاية بضحيته وإلحاق أفدح ضرر بها : لأن العنف المسلط على الوجه تبقى علامته بادية وظاهرة للعيان ويترك أثرا مؤرخا لبطولة إجرامية يتبجح بها الجاني ليل نهار.
ومن جهة أخرى يجد الجاني نفسه في حل من أن يتابع بجريمة من العيار الثقيل (جناية)، فأغلب الأحكام لا تتجاوز فيها العقوبة أشهرا من الحبس وغرامة محدودة.
* مؤيدات تغيير الوصف القانوني من جنحة إلى جناية:
إن قولنا بأن الوصف القانوني المناسب للجريمة المتحدث عنها هو الجناية وليس الجنحة يرتكز.
على جملة من المؤيدات نعرض لها بما يلي:
* مؤيدات سوسيو – ثقافية:
إن الوجه غالبا ما يعكس شخصية صاحبه ويكون مرآة لسلوكاته وممارساته، وقد درج الناس على الحكم على الشخص من خلال ملامحه وقسمات وجهه ، ولا شك أن الاعتداء على الوجه بالخصوص يشكل جريمة شنعاء بشعة تمس الشخص في أشرف عضو في جسده.
سيما أن ثقافتنا الشعبية تترجم عمق وفظاعة الآثار النفسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية لهذه الجريمة ، هذه الآثار التي تتجاوز الضرر البدني الظاهر إذ غالبا ما ينظر العموم إلى الشخص الذي يتعرض لاعتداء وعنف جسيم على مستوى الوجه نظرة ريبة مشوبة بالحيطة والحذر، ويعامل معاملة المجرمين أينما حل وارتحل لأن سمة وجهه تعطي هذا الانطباع، وبالنسبة للفتاة المقبلة على الزواج، فقد يكون تعرضها لاعتداء جسيم في وجهها توقيعا رسميا على شهادة وفاة عريسها المنتظر وفرضا لعنوسة إجبارية، أما إذا أخذنا حالة الشاب العاطل الذي هو في بحث عن عمل شريف، فقد يكون ذلك ضربة قاضية لكل محاولاته من أجل إيجاد هذا العمل، طالما أن الشبهات ستظل تطارده مصنفة إياه في زمرة المجرمين وقطاع الطرق….
* مؤيدات قانونية: إن صياغة الفصل 402 من ق.ج… التي جاءت كما يلي : “إذا كان الجرح أو الضرب أو غيرهما من وسائل العنف أو الإيذاء قد نتج عنه فقد عضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور اية عاهة دائمة أخرى، فإن العقوبة تكون السجن من خمسة إلى عشر سنوات…”
فهذه الصياغة للفصل 402 من ق ج… أخذت عن القانون الجنائي التي تضمنت لفظة ” Mutilation” التي لا تعني البتر فقط بل لها معنى آخر هو التشويه، لأن لفظ البتر أو القطع تم التعبير عنه بلفظة “Amputation “.
وهو ما يدفعنا إلى التأكيد على أنه ينطبق على الجريمة المتحدث عنها.
كما أن العبارة التي استعملها المشرع المغربي وهي: “أو أي عاهة دائمة أخرى” تمنح هذه الإمكانية للتوعية في التفسير لاستيعاب تشوهات الوجه.
ما يبقى هو تعريف العاهة الدائمة: فإذا كان الفقه المصري يجنح إلى التشدد والتضيق في معناها مقتفيا في ذلك أثر المشرع المصري الذي أضاف في المادة 240 من قانون العقوبات وصفا حصريا للعاهة المستديمة ناعتا إياها بكونها تلك التي يستحيل برؤها.
فإنه لا يمكن تبني هذا التفسير بالنسبة للفصل 402 من القانون الجنائي المغربي، لأن مراد المشرع المغربي بالعاهة الدائمة ليس تلك التي يستحيل برؤها، بدليل انه فرق جيدا في الفصل 413 من ق ج… بين المرض الذي لا يرجى برؤه وبين فقد منفعة عضو، وبين عاهة دائمة، فلو أراد نفس المعنى لكان في غنى عن استعمال ألفاظ مختلفة، ثم إن التمسك بالتفسير الضيق للعاهة الدائمة هو مقدمة تفضي إلى نتائج ظالمة، ذلك أن التشويه الفظيع والجرح العميق الذي يمس الوجه يمكن أن يشفى ويبرأ، وبالتالي لا
تنطبق عليه أحكام الفصل 402 من ق ج… رغم أن المشكلة تكمن في الآثار والعقابيل الباقية على الوجه، والتي غالبا ما تظل ملازمة للضحية على الدوام أليس من الظلم أن ننكر عليها صفة العاهة الدائمة؟.
* التدخل القضائي الفوري في انتظار التدخل التشريعي الحازم:
* مسؤولية القضاء: إننا نأمل عبر هذا المقال أن يتوسع القضاء الزجري المغربي في تطبيق الفصل 402 و ذلك من أجل الحد من العنف الجسيم المسلط على الوجه، صحيح أن القاضي الجنائي يخضع في تفسيره للنص القانوني الجزائي لقاعدة التفسير الحصري والضيق، وأنه في حالة غموض النص الجزائي فيتعين ترجيح المعنى المؤدي للإباحة وليس للتجريم، ولكن هذا لا يعني أن يتحجر الاجتهاد القضائي وأن يؤمن بحرفية النص وحدها لا شريك لها، انطلاقا من كون القاضي يحرص على التطبيق العادل للنصوص .
وما يعطي لموقفنا هذا مصداقيته أن الفصل 402 من ق.ج… ليس فيه تلك الصلابة اللفظية المعهودة في معظم فصول القانون الجنائي، بل يتسم بمرونة لفظية ويتضمن فسحة قانونية تتيح تدخلا مريحا للقاضي الجنائي دون خشية التطاول على سلطة المشرع، فعبارة: “أو أي عاهة دائمة أخرى”، هي عبارة جد مسعفة وفضفاضة إلى حد كبير، ويمكن للقضاة أن يدخلوا تحت عباءتها الجريمة المتحدث عنها، طالما أن الأمر متروك لمطلق سلطتهم التقديرية، فترقى بذلك المرتبة الجنائية لهذه الجريمة إلى مستوى الجناية بدل أن تبقى في مرتبة لا تناسبها وهي الجنحة.
* مسؤولية المشرع: إن تدخل القضاء لا يكفى وحده، بل يبقى حلا انتقاليا ينبغى ترسيخه بتدخل تشريعي عبر إجراء عملية جراحية مستعجلة للفصل 402 من ق.ج بغية إضافة عبارة صريحة هي: “… أو التشويه الجسيم الذي يمس الوجه…”
والمشرع المغربي لن يكون فى ذلك بدعا من المشرعين، بل هناك العديد من التشريعات التي سبقتنا في هذا المجال، فقانون العقوبات العراقي في مادته 412 التى يقابلها الفصل 402 من ق ج… عندنا اعتبر بنص صريح ضمن العاهة المستديمة: ” تشويه جسيم لا يرجى زواله ” وأنزل بمرتكبها عقوبات جنائية مغلظة تصل الى خمسة عشرة سنة، ونفس التصنيف اعتمده المشرع الأردني في الفصل 335 من قانون العقوبات الأردني، وأيضا المادة 388 من قانون العقوبات الإماراتي.
فهل يتدخل المشرع المغربي وهو بصدد تعديلات القانون الجنائي المرتقبة من أجل تعديل الفصل 402 من ق.ج؟، أم أنه سيترك الظاهرة تستفحل في غياب الردع والزجر، الذي يمكنه أن يوقف العبث والاستهانة بوجوه المغاربة والمغربيات؟.

قم بكتابة اول تعليق