حين يُقتل الراعي ويُذبح الضمير… من يجرؤ على مواجهة الحقيقة؟

__✍️ بقلم : محمد بنهيمة – جريدة أفريقيا بلوس ميديا / قسم الرأي والتحقيقات الخاصة

“حين يتقاطع الطب مع الضمير… رسالة مفتوحة في وجدان”

في وطنٍ يفيض بالشعارات عن العدالة والكرامة والإنصاف، يموت محمد بويسليخن، راعي الغنم البسيط، ميتةً تثير ألف سؤال وسؤال، ولا يجيب عنها أحد، يموت بصمتٍ مريبٍ، في مكانٍ معزولٍ، وكأن السماء وحدها كانت شاهدة على الجريمة، بينما الأرض اختارت أن تبتلع الحقيقة مع جسده الطاهر.

نحن لا نتحدث عن حادثٍ عابرٍ في ريفٍ ناءٍ، بل عن جريمةٍ تهزّ الضمير الوطني، وعن موتٍ فاجعٍ يتقاطع فيه الإهمال مع التواطؤ، والصمت مع التستر، واللامبالاة مع الحساب المؤجل، فمن قتل محمد بويسليخن؟ ومن تواطأ على طمس معالم الجريمة؟ ومن يحاول اليوم تغليفها بورق القانون لتبدو كـ”انتحار”؟

كان محمد مجرد راعٍ بسيط، لا يملك سلطةً ولا سندًا ولا نفوذًا، لكنه امتلك ما لا يملكه كثيرون: الكرامة والصمت النبيل. عاش من تعب يديه، ومات من صمت الآخرين، في لحظةٍ واحدة، تحوّل جسده إلى دليلٍ على غدرٍ ما، وإلى مرآةٍ تعكس زيف شعاراتنا عن العدالة الاجتماعية.

لكن الأخطر من موته، هو محاولة تبرير موته، محاولة تحويل المأساة إلى حادثةٍ عاديةٍ كي يرتاح الجميع، غير أن الحقيقة لا تموت بالبيانات الرسمية، ولا تنام في محاضر الدرك، ولا تختبئ في تقارير طبية تُكتب على عجل، الحقيقة مثل الجمر، تُدفن تحت الرماد لكنها تحرق من يحاول إخفاءها.

المناضل الحقوقي محمد أبو علي، لم يكن شاهد زورٍ ولا متصيدًا في الماء العكر، بل كان صوتًا مزعجًا في زمنٍ يكره الأصوات الحرة، تحرك بدافعٍ إنساني لا لبس فيه، لا يعرف الطفل ولا عائلته، لكنه يعرف أن الموت الغامض لا يُطوى بالصمت، أطلق صرخته لأن ما حدث جريمة لا يمكن السكوت عنها، لأن موت طفلٍ أو راعٍ في هذا الوطن يجب أن يُعامل كقضية وطنية، لا كملف إداري ينام في رفٍّ مغطى بالغبار.

محمد أبو علي لم يجرّ الطبيب إلى المحاكم حقدًا، بل جرّ المجتمع كله إلى مرآة ضميره، سأل السؤال الذي يخاف الجميع طرحه: هل ما زلنا قادرين على تمييز الخطأ من الجريمة؟ هل صار قول الحقيقة تهمة؟ وهل أصبح البحث عن العدالة فعلاً يُعاقب عليه القانون بدل أن يُكرَّم عليه الإنسان؟

يا من كنت في موقع المهنة والشرف، تذكّر أن الطب ليس مجرد علمٍ أو رخصةٍ مهنية، بل قسمٌ أخلاقي أمام الله والضمير، فحين تموت روحٌ بين يديك، لا يكفي أن تكتب تقريرًا أو تشخّص سببًا، الطب لا يُمارس بالورق، بل بالرحمة، والضمير لا يُخدّر بالمناصب، بل يفيق حين يسمع أنين المظلومين.

نحن لا نطلب انتقامًا، بل نطلب الحقيقة، لا نبحث عن محاكمة الأشخاص، بل عن محاكمة السكوت، لأن الجريمة لا يشارك فيها القاتل وحده، بل كل من سكت وهو يعلم، أين صوت الطبيب؟ أين صوت الممرض؟ أين ضمير من رأى الدم وسكت؟ أين تقارير التشريح؟ أين التسلسل الزمني؟ هل كان الانتحار فعلاً ممكنًا لطفلٍ في وضعه؟ أم أن الكلمة أُقحمت لتُغلق الملف قبل أن يُفتح؟

يا من تمسكون بزمام القانون، أنتم لا تحاكمون قضيةً عادية، بل تحاكمون ضمير وطن، كل قرارٍ تتخذونه في هذا الملف سيبقى شاهدًا على أي عدالة نريد، فإن كان القضاء بابًا لإغلاق الحقيقة، فذلك موتٌ آخر لمحمد بويسليخن، وإن كان منبرًا للإنصاف، فستعود للعدالة هيبتها، وللوطن كرامته.

الشعب المغربي اليوم لا ينتظر بياناتٍ باردة، بل يريد وضوحًا حارقًا: من قتل محمد؟ من غطّى الجريمة؟ ومن حوّل المأساة إلى مسرحية قانونية؟

إننا أمام لحظةٍ فارقةٍ في التاريخ الأخلاقي للمغرب، إما أن نختار الصمت فنمنح الجريمة عمرًا جديدًا، وإما أن نختار الحقيقة، مهما كانت قاسية، فنمنح الوطن فرصةً ليغسل وجهه من الغبار، لقد تعب الناس من التبريرات، ومن “الملفات التي قُضيت”، ومن “التحقيقات التي لا تنتهي”، لقد صار المواطن العادي يحفظ النصوص القانونية، لكنه فقد الثقة في أن القانون يُنصفه يومًا.

إن العدالة حين تُفرّق بين قويٍّ وضعيف، تفقد معناها، وتتحول من ميزانٍ إلى سيفٍ مسلطٍ على رقاب البسطاء.

ليعلم كل من كان له يد في هذه الجريمة — بالفعل أو بالصمت أو بالتواطؤ — أن التاريخ لا ينسى، وأن صوت محمد بويسليخن سيبقى في الذاكرة المغربية شاهدًا على أن الراعي البسيط كان أصدق من كل الخطباء، وأن كل طفلٍ مات ظلمًا هو سؤال مفتوح على ضمير هذا الوطن.

فلتكن هذه القضية محطةً لاستعادة الثقة بين العدالة والناس، بين المهنة والرحمة، بين الدولة والمواطن، ولتكن صرخة محمد أبو علي جرسًا يوقظ فينا ما تبقّى من إنسانية، لأن الأوطان لا تُبنى بالقوانين فقط، بل بالضمائر التي تخاف الله حين يصمت الجميع.

✍️إمضاء: محمد بنهيمة – مديرجريدة أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة

© جميع الحقوق محفوظة2025

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*