—هيئة التحرير: جريدة أفريقيا بلوس ميديا/ تحقيق صحفي – شؤون محلية – تعمير
“قصر الكريملين ينهار… ورؤوس كبيرة تنهار معه! زلزال يهز بوسكورة ويكشف شبكة فساد خطيرة”
يبدو أن إقليم النواصر يعيش اليوم على وقع أكبر عملية “تطهير ترابي” منذ تأسيس جماعاته، بعدما تفجّر ملف هدم القصر الفاخر المعروف باسم “الكريملين”، محدثاً زلزالاً حقيقياً أسقط باشا بوسكورة وفتح أبواباً كانت مغلقة منذ سنوات. مصادر “أفريقيا بلوس ميديا” تؤكد أن ما يجري الآن ليس مجرد حملة هدم أو إعادة ترتيب إداري… بل أضخم عملية تنظيف لملفات عمرانية مشبوهة ظلت تتراكم بصمت داخل أدراج الجماعات والمصالح الترابية.
فقرار توقيف باشا بوسكورة، وفق مصادر شديدة الاطلاع، لم يكن إجراءً عادياً، بل جاء بعد رصد اختلالات وُصفت بـ“الخطيرة والممنهجة” في تدبير مخالفات التعمير، خاصة خلال عمليات الهدم التي قادتها السلطات مؤخراً. القصر الضخم “الكريملين” كان النقطة التي أفاضت الكأس، بعدما تم إيقاف هدمه في مرحلة حساسة، ما خلق حالة ارتباك داخل المصالح الإدارية ودفع العامل إلى فتح تحقيق داخلي حول أسباب هذا التوقف ومن أعطى الضوء الأحمر لتعطيل القرار.
المعطيات التي حصلت عليها الجريدة تشير إلى أن القصر لم يكن مجرد مبنى مخالف، بل مشروعاً ضخماً بُني على سلسلة من الاستثناءات المشبوهة في التراخيص والاستغلال. وقد كشفت مصادر بأن القصر تضمن تعديلات عمرانية غير مرخّصة، وتغييرات جذرية في طبيعة النشاط المصرّح به، إضافة إلى توسيعات تمت بشكل سري بين سنوات 2021 و2023، دون أن تُدوّن في سجلات التعمير.
التحقيقات الداخلية حسب نفس المصادر لم تتوقف عند “الكريملين”، بل توسعت لتشمل مخازن ومستودعات ومنشآت صناعية سرّية منتشرة في بوسكورة والمكانسة الجنوبية والمدينة الخضراء، تم تشغيلها لسنوات دون احترام المساطر، وبعضها يمتد على مساحات تفوق هكتارين دون أي trace قانوني.
الأخطر، حسب مصادر الجريدة، أن شبكة المخالفات كانت تضم أسماء منتخبين حاليين وسابقين، وأقارب شخصيات سياسية معروفة داخل الإقليم، إضافة إلى وسطاء محترفين في “تسوية الملفات” داخل الجماعات. هؤلاء كانوا يحصلون على مبالغ ضخمة مقابل “تمرير” مشاريع غير قانونية، أو السكوت على مخالفات صريحة، أو منح تسهيلات خارج القانون.
في هذا السياق، تؤكد مصادر موثوقة أن عمالة النواصر تتوفر اليوم على لائحة بأسماء مستودعات عشوائية تحولت إلى مصانع سرّية تنتج مواد خطيرة مثل الأكياس البلاستيكية المحظورة، مواد التنظيف غير المراقبة، ومنتجات نسيج موجهة للسوق السوداء. بعض هذه الوحدات تشتغل ليلاً فقط، لتفادي المراقبة، وبعضها يشغل عشرات العمال في ظروف تُصنَّف بأنها “شبه قسرية”، دون ضمان اجتماعي أو شروط السلامة.
ولم يكن سقوط باشا بوسكورة سوى البداية، فقد تواصلت الهزّات بإسقاط رئيس جماعة بوسكورة بوشعيب طه ونوابه، بعد أن كشفت لجنة التفتيش التابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية عن خروقات عريضة في تدبير ملفات التعمير والرخص وتغيير وجهات الأراضي السلالية. التقرير الذي حصلت الجريدة على جزء من معطياته يكشف عن تلاعبات في محاضر المعاينات، وتضارب مصالح، وقرارات مخالفة للقانون، وتراخيص مُنحت خارج المساطر.
وتشير مصادر تتابع الملف إلى أن اللجنة وقفت على حالة وصفها أحد المسؤولين بأنها “مثيرة للصدمة”، حيث تم منح رخصة غير قانونية لمستودع ضخم، رغم علم المنتخبين بأنه يقع فوق عقار غير قابل للبناء بسبب تواجد قنوات صرف رئيسية تحت أرضه. نفس المستودع استُعمل لاحقاً في تشغيل مصنع سري، كان يشكل خطراً على الممرات التقنية الحيوية للمدينة.
وفي خضم هذه الفوضى، بدأت معالم شبكة أكبر تتكشف: شبكة تمتد بين منتخبين، رجال سلطة، سماسرة رخص، ومقاولين، كانوا يحركون قطاع التعمير في المنطقة كـ“سوق سوداء مفتوحة”، حيث يتم تبادل المصالح في الظل، وتُمرَّر المشاريع خارج القانون، بينما كان المواطن البسيط يواجه الهدم بمجرد وضع آجرة واحدة خارج الترخيص.
وتؤكد مصادر مقربة من التحقيق أن الأيام المقبلة ستكون أكثر سخونة، وأن لائحة المسؤولين المعنيين بالعقوبات قد لا تتوقف عند الباشا والرئيس ونوابه، إذ يجري التدقيق حالياً في عشرات محاضر الهدم، والمراسلات بين الجماعات والعمالة، ومحاضر اللجان التقنية، ومدى احترامها للقانون.
كما علمت الجريدة أن عمالة الإقليم تستعد لإحالة ملفات جديدة على القضاء، تتعلق بعمليات تحويل مشبوهة لطبيعة أراضٍ فلاحية، وتفويتات أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
ومع كل هذه التطورات، يعيش الرأي العام المحلي على وقع سؤال واحد: إذا كان هدم “الكريملين” قد أسقط هذه الأسماء… فماذا سيحدث حين تبدأ السلطات في هدم مستودعات “الحيتان الكبار” الذين ظلوا محميين لسنوات؟
وبينما تتواصل الحملة بوتيرة غير مسبوقة، يبدو أن النواصر وبوسكورة أمام إعادة تشكيل عميقة لخارطة النفوذ، وأن ما كان مخفياً لسنوات طويلة خرج اليوم إلى الضوء دفعة واحدة، بلا مجاملة، وبلا حصانة، وبلا استثناءات.
—إمضاء: محمد بنهيمة مدير جريدة أفريقيا بلوس ميديا بالنيابة
قم بكتابة اول تعليق