عندما تختار الجزائر الغياب.. أمن الملاعب يكشف ما تخفيه السياسة

✍️بقلم: هيئة التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة

سياسة رياضية – أمن رياضي – شؤون إفريقية

بين حضور أمني إفريقي واسع، ومراقبة أمريكية دقيقة، يطرح الغياب الجزائري في كأس أمم إفريقيا أكثر من علامة استفهام

في زمنٍ لم تعد فيه كرة القدم مجرد لعبة، بل واجهة سيادية وأداة دبلوماسية ومرآة لصورة الدول، اختارت الجزائر أن تكون الغائب الأبرز عن واحدة من أهم مبادرات التعاون الإفريقي في تاريخ كأس أمم إفريقيا. غيابٌ أمني لا يمكن تبريره بالصدفة ولا اختزاله في تفاصيل تقنية، بل يشي بخلفيات أعمق، حيث تتقاطع الرياضة مع السياسة، ويُستعمل الصمت كرسالة.

فبينما انخرطت الدول الإفريقية المشاركة في البطولة في تجربة غير مسبوقة تقوم على إرسال عناصر أمنية للمساهمة في مهام شرطة الملاعب، وتبادل الخبرات الميدانية، وتوحيد معايير التأمين وفق متطلبات البطولات الكبرى، قررت الجزائر الوقوف خارج هذا الإطار الجماعي، دون أي بلاغ رسمي، ودون أي توضيح للرأي العام أو لجماهيرها التي تنقلت بأعداد كبيرة لمتابعة منتخبها.

هذا القرار يكتسب خطورته من كونه يأتي في لحظة مفصلية تعيشها كرة القدم الإفريقية، لحظة انتقال من منطق التنظيم التقليدي إلى منطق الاحتراف الشامل، حيث لم يعد الأمن مسألة داخلية أو سيادية ضيقة، بل جزءًا من منظومة تعاون دولي تفرضها الفيفا وتراقبها الهيئات الكبرى. الجزائر، التي لطالما قدّمت نفسها كقوة إقليمية وفاعل محوري في القارة، بدت في هذا المشهد وكأنها تختار العزلة بدل الشراكة.

الأكثر إثارة للانتباه أن هذا الغياب الأمني تزامن مع حضور جماهيري جزائري كثيف في المغرب، حيث امتلأت مناطق المشجعين واشتعلت مدرجات ملعب مولاي الحسن بالحماس. جمهور حاضر بقوة، لكن دون أي تأطير أمني من بلده، في مفارقة تطرح أسئلة محرجة حول من يتحمل مسؤولية سلامته، وحول مدى جدية السلطات الجزائرية في التعامل مع جماهيرها خارج الحدود.

وفي الجهة المقابلة، حضرت قوة أمنية من العيار الثقيل: مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي. وفد رفيع من الـFBI حلّ بالمغرب لمعاينة الإجراءات الأمنية المتخذة خلال البطولة، بما في ذلك مباراة الجزائر والكونغو. حضور أمريكي ثقيل الوزن، يراقب، يدقّق، ويجمع المعطيات، استعدادًا لكأس العالم 2026، حيث سيكون التعاون الأمني الدولي شرطًا لا يقبل المساومة.

المشهد كان صادمًا في رمزيته: عناصر أمنية من الكونغو داخل الملعب، خبراء أمن أمريكيون في المدرجات، ومنظومة أمنية مغربية متكاملة على الأرض، مقابل غياب كامل لأي تمثيل أمني جزائري. صورة تختصر الكثير، وتكشف اختلالًا واضحًا في تموضع الجزائر داخل دينامية كرة القدم الحديثة.

وإذا كانت الجزائر تعتقد أن بإمكانها الفصل بين الرياضة والسياسة، فإن الواقع يثبت عكس ذلك. فالعالم يتجه نحو مزيد من الترابط، والمونديالات المقبلة تُحضَّر قبل سنوات، ليس فقط على مستوى الملاعب والبنية التحتية، بل على مستوى الثقة، الشراكات، والقدرة على العمل الجماعي. المغرب، في هذا السياق، يراكم النقاط بثبات، من خلال شراكات أمنية دولية تمتد من كأس أمم إفريقيا إلى مونديال 2030، فيما تبدو الجزائر وكأنها تفوّت فرصًا استراتيجية بسبب حسابات ضيقة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا لم تُرسل الجزائر عناصر أمنية فقط، بل: ما الذي تريد الجزائر قوله من خلال هذا الغياب؟ هل هو موقف سياسي غير معلن؟ أم ارتباك مؤسساتي؟ أم استمرار لمنطق الانسحاب كلما تعلق الأمر بمبادرات جماعية تقودها أطراف لا تنسجم معها سياسيًا؟

في كل الحالات، النتيجة واحدة: الجزائر خسرت فرصة لتأكيد حضورها كدولة مسؤولة وفاعلة داخل المنظومة الإفريقية، وخسرت قبل ذلك فرصة حماية صورتها وصورة جماهيرها في تظاهرة تخضع لأعين العالم. وفي كرة القدم، كما في السياسة، الغياب لا يكون محايدًا أبدًا… بل يُقرأ دائمًا كموقف.

✍️إمضاء: محمد بنهيمة_مدير الموقع بالنيابة

جميع الحقوق محفوظة ©__أجي تشوف لايف


قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*