—بقلم: هيئة التحرير__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
تطورات فنزويلا تضع الجزائر أمام سيناريوهات “مُخيفة”
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد حدث سياسي عابر في خاصرة أمريكا اللاتينية، بل شكّل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع الحقيقي في العالم المعاصر: صراع على الطاقة، على التحكم في السوق، وعلى خنق الاقتصادات الهشّة دون إطلاق رصاصة واحدة. وفي قلب هذا المشهد المعقّد، تقف الجزائر، لا كفاعل، بل كمتلقٍّ للارتدادات، تنتظر ما ستقرره القوى الكبرى بشأن سعر البرميل، لا بشأن سيادتها.
التدخل الأمريكي المباشر في فنزويلا لا يمكن قراءته خارج منطق إعادة هندسة سوق النفط العالمي. فواشنطن، التي فشلت مرارًا في إخضاع كاراكاس عبر العقوبات، عادت اليوم من الباب الواسع: إسقاط القيادة، ثم فتح الآبار، ثم ضخ النفط، ثم ترك الأسعار تتهاوى. واللافت، بل المستفز، أن هذا “الزلزال الجيوسياسي” لم يرفع أسعار النفط كما تفترض القواعد التقليدية، بل دفعها نحو التراجع، في رسالة واضحة مفادها أن السوق لم تعد تتفاعل مع الأزمات، بل مع من يديرها.
تراجع خام برنت إلى حدود 60 دولارًا للبرميل لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل إنذارًا سياسيًا صريحًا للدول الريعية، وعلى رأسها الجزائر، بأن زمن الحماية الضمنية للأسعار قد انتهى، وأن منطق “البرميل المرتفع” لم يعد مضمونًا حتى في ذروة الفوضى الدولية. فحين تصبح الولايات المتحدة قادرة على تعويض أي اضطراب بضخ بدائل جاهزة، تسقط آخر أوراق الضغط لدى المنتجين التقليديين.
صحيفة “TSA Algérie” التقطت خطورة اللحظة، ووصفت ما يجري في فنزويلا بأنه زلزال جيوسياسي بلا أثر سعري، وهو توصيف يعكس تحولًا أخطر: النفط لم يعد يتأثر بالاضطرابات، بل يُستخدم لإدارتها. وفي هذا السياق، يحذّر أستاذ الاقتصاد بجامعة تيزي وزو، إبراهيم قندوزي، من أن “المعطى الجيوسياسي الجديد” قد ينسف قواعد اللعبة التي اعتادت عليها دول مثل الجزائر، والتي بنت توازناتها المالية والاجتماعية على فرضية واحدة: أن النفط سيبقى مرتفعًا بما يكفي لإنقاذ الميزانية.
لكن هذه الفرضية تنهار اليوم أمام احتمال عودة فنزويلا بقوة إلى السوق، ليس كدولة مستقلة، بل كمنصة إنتاج خاضعة لإشراف الشركات الأمريكية الكبرى. فالإنتاج الفنزويلي، الذي لا يتجاوز حاليًا 900 ألف برميل يوميًا، يمكن أن يتضاعف في وقت قصير إذا فُتحت خزائن الاستثمار والتكنولوجيا، ما يعني ببساطة إغراق السوق، ودفع الأسعار إلى مستويات تُربك اقتصادات كاملة.
بالنسبة للجزائر، فإن هذا السيناريو ليس نظريًا ولا بعيدًا. أي استقرار طويل لأسعار النفط دون 60 دولارًا للبرميل يعني عمليًا دخول الخزينة العمومية في منطقة الخطر، واتساع عجز الميزانية، وتآكل القدرة على تمويل الدعم، وارتفاع كلفة السلم الاجتماعي. ومع اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على المحروقات، فإن هامش المناورة يصبح شبه معدوم، وتتحول القرارات السيادية إلى ردود فعل اضطرارية.
الأخطر من ذلك أن تراجع أسعار النفط لا يضرب فقط الإيرادات، بل يضغط على الميزان التجاري، ويستنزف احتياطات النقد الأجنبي، ويضع العملة الوطنية أمام اختبارات قاسية، في وقت ترتفع فيه الواردات وتتقلص البدائل الإنتاجية. وهنا، لا يعود الحديث عن أرقام وتقارير، بل عن توازنات اجتماعية وسياسية دقيقة.
وفي قلب هذا المشهد، تقف منظمة “أوبك” عاجزة أكثر من أي وقت مضى. فاحتمال نشوء تحالف طاقي فعلي بين الولايات المتحدة وفنزويلا لا يهدد فقط الأسعار، بل يُفرغ “أوبك” من دورها التاريخي كمنظم للسوق. ومع كل برميل إضافي خارج التنسيق، تتراجع قدرة المنظمة على فرض الانضباط، وتصبح الدول المتوسطة الإنتاج، مثل الجزائر، الحلقة الأضعف.
وإذا اضطرت “أوبك+” إلى خفض الإنتاج مجددًا لمواجهة فائض المعروض، فإن الجزائر ستجد نفسها أمام معادلة خاسرة بامتياز: إنتاج أقل، وأسعار أقل، وعائدات أضعف. إنها “العقوبة المزدوجة” التي تُدفع ثمنها دول لم تشارك في صناعة الأزمة، لكنها تُحاسَب على نتائجها.
ويرى قندوزي أن هشاشة الاقتصاد الجزائري ليست ظرفية، بل بنيوية، وأن أي صدمة نفطية تتحول سريعًا إلى توتر اجتماعي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، واحتجاجات قطاعية، وتآكل القدرة الشرائية. وفي مثل هذا السياق، يصبح النفط عامل استقرار هش، لا ضمانة دائمة.
صحيح أن الجزائر تحتفظ بعلاقات مع شركات نفطية أمريكية كبرى مثل “إكسون موبيل” و“شيفرون” و“كونوكو فيليبس”، لكن هذه العلاقات لا تمنحها حصانة، بل تضعها داخل شبكة مصالح أكبر منها، حيث تُتخذ القرارات وفق منطق السوق والقوة، لا وفق اعتبارات الشراكة أو التوازن.
ومع توقعات مؤسسات مالية دولية، على غرار “غولدمان ساكس”، ببقاء أسعار النفط دون 60 دولارًا للبرميل حتى عام 2026، فإن السؤال لم يعد: هل ستتأثر الجزائر؟ بل إلى أي مدى ستصمد إذا استمرت في الرهان على نموذج اقتصادي واحد، في عالم قرر أن النفط لن يكون رحيمًا بأحد.
قم بكتابة اول تعليق