—
بقلم: محمد بنهيمة__أفريقيا بلوس ميديا_ شراكة نشر صفحة: أجي تشوف لايف_عين الصحافة
سياسة دولية – توازنات جيوسياسية – دبلوماسية القرار
بتوجيه مباشر من العاهل المغربي الملك محمد السادس، وقّع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، اليوم الخميس بمدينة دافوس السويسرية، على الميثاق المؤسس لـ«مجلس السلام»، خلال حفل ترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة سياسية تتجاوز طابعها الدبلوماسي الكلاسيكي لتكشف عن تحوّل نوعي في تموقع المغرب داخل معادلات النفوذ الدولي.
هذا التوقيع لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العالمي المتأزم، حيث تتآكل فعالية المؤسسات الدولية التقليدية، وتتعثر آليات الأمم المتحدة في احتواء النزاعات، مقابل بروز أطر بديلة تقودها القوى المؤثرة خارج القوالب البيروقراطية الثقيلة. وضمن هذا المشهد، يظهر «مجلس السلام» كمبادرة أمريكية صريحة لإعادة هندسة مقاربة إدارة الصراعات، عبر تحالف انتقائي يضم دولًا قادرة على الفعل، لا الاكتفاء بإصدار البيانات.
موافقة الملك محمد السادس على انضمام المغرب كعضو مؤسس ليست مجاملة دبلوماسية ولا استجابة ظرفية، بل قرار سيادي محسوب يعكس إدراكًا عميقًا لتحولات ميزان القوة الدولي. فالرباط اختارت بوضوح الانخراط في دوائر التأثير الفعلي، حيث تُصاغ التوجهات وتُتخذ القرارات، بدل البقاء على هامش مسارات تفاوضية أثبتت محدوديتها.
وليس تفصيلًا أن يكون المغرب ومملكة البحرين أول بلدين يوقعان على الميثاق، ولا أن يُعلن الرئيس الأمريكي فورًا دخول الميثاق حيّز التنفيذ. فبداية «مجلس السلام» من هذا المحور تعكس رغبة في بناء إطار سياسي جديد يستند إلى دول مستقرة، ذات قرارات سيادية واضحة، وقادرة على لعب أدوار متقدمة دون ارتهان للازدواجية أو الخطاب الرمادي.
الحضور المكثف لما يقارب عشرين من رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية، من دول وازنة مثل السعودية وتركيا ومصر وإندونيسيا والأرجنتين، لا يعكس فقط دعمًا لمبادرة جديدة، بل يشير إلى قناعة متزايدة بأن النظام الدولي يدخل مرحلة إعادة تشكيل فعلية، حيث لم يعد الانتظار داخل أروقة المنظمات التقليدية خيارًا كافيًا لإدارة الأزمات المتفجرة.
في هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل استثنائي: دولة لا ترفع صوتها، لكنها تحجز مكانها حيث تُرسم الخرائط السياسية. دبلوماسية مغربية تراكمت بهدوء، واستثمرت في الاستقرار الداخلي، والوضوح الاستراتيجي، والعلاقات المتوازنة، لتنتقل اليوم من دور الوسيط الموثوق إلى شريك في صناعة القرار.
انخراط المغرب في «مجلس السلام» يعني عمليًا أنه أصبح جزءًا من النقاش الدولي حول من يصنع السلام، وكيف، وبأي أدوات، بعيدًا عن الشعارات الأخلاقية التي لم تمنع الحروب، ولا عن المقاربات الأممية التي استُهلكت دون نتائج ملموسة.
وبهذا التوقيع، يبعث المغرب برسالة سياسية واضحة: المملكة ليست على هامش التحولات الجيوسياسية، ولا تنتظر نتائج الصراعات لتتفاعل معها، بل تتموقع داخل مسار صياغتها. إنها دبلوماسية الفعل بدل رد الفعل، والقرار بدل الانتظار، في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يملك الجرأة على الجلوس إلى طاولة التأثير.





قم بكتابة اول تعليق